الختم الماسي إحساس باطني (1 زائر)


ألفبائي

وَما الدُّنْيا بِباقِيَةٍ لِحَيٍّ، وَما حَيٌّ عَلَى الدُّنْيا بِباقٍ
إنضم
14 يناير 2022
رقم العضوية
12560
المشاركات
570
مستوى التفاعل
1,698
النقاط
281
أوسمتــي
4
توناتي
395
الجنس
ذكر
LV
1
 
كانت الشمس توشك أن تغيب لحظة اسْتِغراقيّ في النظر إلى الشارع الخالي من المارة. لا أرى نفرًا من الناس؛ فالناس يفضلون ألا يخرجوا من بيوتهم في الأمسيات الباردة. أما أنا فبسبب ضائقة نفسية أمرّ بها، أَذْهِبْ سخيمة قلبي يا ألله، قررتُ الذهاب إلى حديقة السَّرايا التي اُفتتحت قبل أشهر. كل من أعرفه مضى إليها فيما عداي. الحديقة تبعد عن منزلي مسافة ساعة بالسيارة. ورغم ذلك سوف أذهب إليها؛ أريد الهروب إلى الطبيعة والتأمل مع النفس. لقد زارها زميلي في العمل نوفل نهارًا. قال نوفل يصف لي فُسْحَتَهُ: "الحديقة لا عيب فيها سوى أنها واسعة. الناس يجلسون على العشب يستجمون بنور الشمس." ليته توقف هنا! - يقول وهو يسترجع ما حدث معه بأسلوب ظننتُهُ تمثيليًا أكثر منه حقيقة: "مِنْ ساعتها وأنا أرى عينًا جاحظة في المنامات. ولا أجرؤ على المبيت في المنزل وحدي". غير أنني لا أصدقه فهو أكذب من فاختة. اتكلتُ على الله، سأنطلق الآن. وقبل أن أهمَّ بالخروج سمعت صوت أمي يخاطبني: "حذيفة أين أنت ذاهب يا ولدي؟"

- "إلى حديقة السَّرايا."

فقالت لي مترجية: "ناشدتك الله يا بني لا تذهب!"

- "ولكن لماذا؟!"

شرحت أمي السبب: "الجارة أم بتعة ذهبت إلى هناك وقالت لي: حين وصولي إلى الحديقة كان يخالجني شعور بأن هناك عيونًا تتربص بي وبعائلتي."

عندئذ انفرجت شفتاي عن ابتسامة وقبلت أمي قائلًا: "لن يحدث شيءٌ سيءٌ لي، وإنّ جارتنا أم بتعة لامرأة خوّافة".

- "الحديقة تتاخم قفرًا فيه سبخات، وهو واسع الأفق ولا يعلم أحد ما فيه." قالت أمي.

- "صحيح، أعلم هذا. وأظن أنّ البلدية اختارت بناء الحديقة في طرف الضاحية بمحاذاة القفر المسبخ؛ لوقف زحف الصحراء ولتكون حزامًا أخضر يصد هبّات الغبار والرمال."

- "ابقَ في البيت يا حذيفة، وإن أردت الخروج قطعًا فلا تذهب إلى الحديقة!" قالت وهي ترجوني مرة أخرى.

نظرتُ في عينيها وتأملت نبرة صوتها. لماذا هي كثيرة الخوف من ذهابي إلى الحديقة؟ ولأجل هذا الإلحاح الذي لا طائل منه، والله لأذهبن إلى وجهتي المعلومة! ومع ذلك ولأنها أمي الحبيبة سوف أريحها وأريح نفسي، فقلت لها:

- "اطمئني يا أماه. سوف أذهب إلى المقهى مع صديقي رفاعة" لقد كذبتُ عليها.

عندئذ تنفست أمي الصعداء وقالت: الحمد لله! أنا أثق بصديقك رفاعة وهو بمكانة ابني. لا تتأخرا.

الواقع أنني شعرت بتأنيب الضمير أنني كذبتُ عليها، ولكنني قلت كذبتي هذه؛ لكيلا تُعطل رحلتي.

ارتديتُ معطفًا واستعددتُ للخروج من المنزل، فاستوقفتني أمي قائلة وعلى وجهها سيماء القلق: "الحذر الحذر!"

حينئذ أحسستُ بألم في قلبي وجف حلقي، لكني رسمت ابتسامة خشبية على وجهي حتى لا تقرأ فيه أنني ذاهبٌ بمفردي لا مع رفاعة.

ركبتُ سيارتي ولم أرغب في تشتيت ذهني بكلمتَيْ أمي اللتين قالتهما لي قبل خروجي. أنت ولد عاق يا حذيفة! لُمْتُ نفسي. أمي أحسنت تربيتي وكانت نعم الأم هي. كيف سولت نفسي أن أعاندها وأكذب عليها؟ وهي التي أفنت عمرها وشبابها في خدمتي وإرضاء أبي رحمه الله. إن لها كامل الفضل فيما أنا عليه من نعمة. لولاهما، أمي وأبي، ما طاب لي عيش ولَمَا ذقتُ أيامي الهانئة. لكن صوتًا معارضًا ولا أحسبه صوت الشيطان قال لي: لا تلقِ على نفسك باللائمة! أنت لم تتعدَ التاسعة عشرة من عمرك بعد، لتلعب وتلهو في مغامرة بريئة. زفرتُ بقوة وقمتُ بتوجيه تفكيري إلى ما سوف أراه في الحديقة. سوف أجد في الحديقة الفرصة للنأْي بنفسي. عندما دَجَن الليل كنت أقود سيارتي على الطريق المسفلت. هناك حديث شريف يقول: "عليكم بالدُّلْجةِ فإنَّ الأرضَ تُطوى بالليلِ". كان صوت الراديو يصدح داخل السيارة. كنت أقلب محطات الإذاعة واستقررت على محطة دينية كانت تقص على المستمعين قصة وأوصاف المسيح الدجال. خفتُ مما سمعته فأطفأتُ الراديو. وأصبح الصمت سيد المكان. وعلى الفور قفزت إلى ذهني رواية نوفل ثم رواية أم بتعة. لن أسمح لروايتيهما أن يكون لهما سلطانٌ عليّ! وصلت أخيرًا ونزلت من السيارة. مرحبًا بكم في حديقة السَّرايا قلتُ بصوت مسموع. يا لهذه الأُبَّهة! كانت الحديقة مسوّرة بجدار عالٍ مكوّن من الخرسانة. قبل عبوري البوابة الحديدية الضخمة، هَسَّتْ قطة شارع في وجهي؛ تقوّس ظهرها وفتحت فمها مُبديةً أنيابها. حاولتُ ملاطفتها: "بِسْ- بِسْ- بِسْ!" عَدَت القطة مُسرعة إلى الداخل. ها أنا ذا في الحديقة. مشيت بضع خطوات أمشطُ بعينيَّ المكان. ليلٌ سُخام يكتنف الحديقة. ما كان في المكان من أحدٍ غيري؛ فخلق ذلك في داخلي شعورًا بالرَّهْبَة. فكرتُ في العودة إلى سيارتي. لكنني تذكرتُ أني ما أتيتُ هنا إلا لأروّحَ عن نفسي. أنصت إنصاتًا لم أنصت مثله قط مغمض العينين منشرح الصدر والرئتين. لم أسمع غير هبوب الريح ونعيب طائر البوم يتردد بين الأغصان بين حين وآخر. بقيت هكذا لدقائق متواصلة. ثم فتحت عينيّ. شجعتُ نفسي: "امشِ يا حذيفة، سَرِّ عن نفسك." لقد شجعني أيضًا حفيف أشجار البلُّوط على التحرك إلى الأمام. مررتُ بشجر لَفِيف. كنتُ أتلفتُ حولي: أينما أمشِ أرَ شجرةً كأنها تنظر إليّ. أبعدتُ عن بالي فكرة التحديق في الأشجار للدرجة التي معها تتجسم في شكل أشياء مرعبة. يا للغرابة! القطة نفسها هناك تهرول على قوائمها الأربع فوق العشب. يبدو أنها لا تزال خائفة مني. لم أعد أراها. إذا كانت القطة تتجرأ على الاندفاع في أعماق الحديقة، فحَرِيٌ بي، أنا الرجل، أن أكون أكثر جرأة منها. تابعت تقدمي ورحتُ أُصغي إلى الأصوات الخفية المستمرة، وكانت أشبه بعزيف الجن، ولم يقطعها إلا أزيز أرجوحة صدئة قد مررت بها وكانت تذهب وتعود في الهواء. بدا لي هدير الرياح مثل صوت طفل نائح يسفح العبرات ويفطر القلب. قررت أن أرتاح فرقدت على الأرض العشبية وشممت رائحة الطين الرطبة. كانت أصوات الكلاب الضالة، وربما الضباع أيضًا لأنني أسمع صوت ضحكات مرعبة، تترامى إلى مسامعي من أقاصي القفر. حمدتُ الله أن إدارة الحديقة شَيَّدَتْ سورًا لمرتاديها. ثم رحت أنظر إلى صفحة سماء الليل. بعد فترة يسيرة مرّ سربٌ من الطيور المهاجرة أمام القمر وقد خلع ضوءه عليها لونًا فضيًا. قلت بصوت مسموع: "الله الله على هذا المنظر!" كان القمر يبدو ويختفي فتتكفل سارية عالية بتوفير الضوء على مساحة ممتدة من حولي. كنت مُتَبَحِّرًا بالجمال السماوي، لكني سرعان ما هبطت إلى الأرض؛ إذ سمعت فجأة صوت دَبْدَبة أقدام في الجوار. فالتفتُ ورائي، فوجدت شيئًا يندس بين الشجر. قلت في نفسي: "أتراه يكون كلبًا؟ لا بد أنه كلب. ولكن كيف دخل إلى أرض الحديقة؟"

"انهض واهرب بجلدك يا حذيفة! فيما أنت تشاهد الفضاء وقمم الأشجار ينوي أحدهم ذبحك!" كان هذا الصوت من إحساس باطني.

في اللحظة التي أصغيتُ فيها لذاك الصوت وهممت بالنهوض سمعت صوتًا يخاطبني: "اُقْعُدْ اُقْعُدْ حذيفة!" هالني الصوت المفاجئ وهالني أكثر أنه نطق باسمي! أدرت رأسي لرؤية صاحب الصوت، فوقع الروع في قلبي لِلسَّاعَة. كانت لوجهه جهامة لا تبعث الطمأنينة في النفس على الإطلاق. رسمت ابتسامة متكلفة على وجهي اتقاء شره. كنت أريد أن أقول: آسف يا أخي، يجب عليّ الرحيل فقد تأخرت. لكن لساني انعقد عن الكلام وبقيت جالسًا على الأرض من شدة الرُعْب. لقد خارت قواي وأحسستُ وقتئذٍ أنني تحت رحمة الله التي ألتمسها في سبيل النجاة بكل جوارحي. جلس متربعًا قبالتي يحدق بي وراعني ضخامة جسمه. كان في حوالي الأربعين من عمره. تساءلتُ في نفسي: "كيف عرف اسمي؟!" قال بصوت جعلني أستوحش منه وحشة شديدة: كلما رغبتُ في الجلوس مع أحد خاف مني وهرب. لماذا لا يستأنس أحد بي؟ سوف أشنق نفسي تحت شجرة!

فكرت في نفسي: أعرف أنه يتعين عليَّ الفرار ولكن هذا المسخ من دون شك سوف يدركني. وقتئذ ظهرت على فمه الغليظ اختلاجة تشبه الابتسامة. كان حدسي يخبرني أن هذا الشخص لفي ميسوره قراءة ما أفكر به. أدركت داخلة هذا الغريب حين رأيته يدس يده في جيبه. ولكن شيئًا ما استرعى انتباهي عندما نظرت في وجهه وعلى الأخص إلى ما بين عينيه، اللتين لمحت الغدر فيهما، إذ تبادر إلى ذهني أن صفاته الخلقية مألوفة لدي أو بمعنى أصح قد سمعتها من الراديو منذ قليل. أتراه يكون . . .؟ لقد تخايل لي في تلك اللحظة أنني أجلس أمام المَسِيحِ الدَّجَّالِ! ولأول مرة أراه يتجنب النظر إليّ محدقًا إلى الجانب البعيد وأخرج يده المرتعشة من جيبه. حينذاك تأكد حدسي ورأيته يقول في غرغرة وكان يشير بإصبعه السبابة كأنه يحاول أن يصرفني إلى موضوعٍ آخر: "انظر هناك! هل تعلم أن ذلك الجزء من السور فيه فُتْحة؟ عند ثلث اللّيل الأخير تمرق منه الوحوش. تعال معي لأُريك إياها."

لم يتشتت ذهني واستدعيت إلى مخيلتي صورة أمي الحبيبة وهي تقول لي: "الحذر الحذر!" استذكرت هذا الدعاء: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال". عندئذٍ قلب اللعين لي سحنته وقبُح وجهُه أكثر من ذي قبل وازدادت الظلمة فيه. ابتهلتُ في قلبي: "أغثني يا ألله!" فجحظت عيناه ورأيتهما تتوقدان وترميانني بالشر. دسَّ يده المرتجفة في جيبه ثانيةً وأخرج مِطواة. فرحت أتلو وأكرر هذا الدعاء: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. فأجفلت عندما وجدته يرتجف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه مثل شجرة هزتها عاصفة. لا أعرف كيف وليتُ هاربًا منه، ولا كيف ركبت سيارتي وقدتها! كل ما أعرفه هو أنني ما أن وجدتُ فرصة الهرب سانحة حتى اغتنمتها. لقد شاء سوء طالعي أنه كان لي لقاء مع الشيطان!

عندما دخلت البيت وجدت أمي تنتظرني قلقة، لكأنها كانت تدري، فهرعت إلى حضنها وكأني طفلٌ صغيرٌ يبحث عن الأمان. ناولتني أمي كوبًا فلم أشرب إلا رشفة ماء ضئيلة من هول ما أصابني. وانتظرتني أمي حتى أهدأ وألتقط أنفاسي وأستعيد شيئًا من هدوئي. فاعترفت لها أنني كذبتُ عليها ورويت ما حدث لي في الحديقة.

كانت أمي تتأمل كلامي حرفًا حرفًا وكلمة كلمة، ولم تقل لي كلمة واحدة لائمة. أخيرًا قالت أمي وهي تمسح على رأسي وكتفي بحنان: "أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة."

بقيت أمي تحصنني بالأدعية والأذكار فاطمأنَّ قلبي. ثم طلبت مني أن أستحم بينما هي تنظف الأريكة من بقايا الطين العالقة بثيابي. وضعت ملابسي في سلة جمع الثياب المتسخة في الحمام ودخلتُ في حوض الاستحمام علّني أستمد من الماء الساخن الراحة والاسترخاء لأعصابي المتعبة.

لا أصدق أنني أمسيتُ بخير وأنني أرى وجه أمي الحنونة. نمتُ في الصالة وكانت أمي تأتي لتطمئن عليّ كل حين.

في اليوم التالي، لم تأتِ أمي على ذكر موضوع الحديقة أبدًا؛ لأنها لم تشأ إقلاق راحتي. ولكني فاتحت صديقي رفاعة به عندما زارني في بيتي مساء واستقبلته في الديوانية.

أخبرته بالذي جرى، ابتداءً من كذبتي على أمي إلى الراديو وانتهاءً بهروبي من الحديقة من ذلك الكاهن الغامض الدجال. كما استدللتُ بروايتَي أم بتعة ونوفل.

كان مستمعًا لي باهتمام فتنهد تنهيدة طويلة: "يا لها من قصة!"

- "أنا خائف يا رفاعة. لقد تحولت كذبة ومغامرة إلى كابوس"

- "معك كل الحق أن تخاف. إن أي امرئٍ ما كان قادرًا على أن يواجه ما واجهته. ولكن مع توالي الأيام سوف تنسى."

- "أشك!" وختمت كلمتي بضحكة مأساوية.

صمت رفاعة حوالي عشر دقائق ينظر في عينيَّ وبدا قلقًا هو الآخر.

فحثثته على قول ما يعتمل في قلبه، فقال: "ليس الأمر مصادفة أن تشغل الراديو وتقلب المحطات الإذاعية لتستقر على محطة إذاعية تتناول موضوع. . ."

- "أكملْ. . ."

- "لو لم يعرف اسمك دون سابق علم، ولو لم ترَ فيه الصفات المعلومة والتي تميزه لقلت لك أنه مجرد عابر سبيل."

- "إيهِ. . ." حثثته على مواصلة ما يريد قوله.

- "يبدو الأمر لي كما لو أن العناية الإلهية كانت تهيئك لِما ستمر به بعد قليل!"

- "إيهِ. . .!"

قال لي كمن ينظر إلى رجل نجا من الموت بأعجوبة: "أنت رأيتَ علامة كبرى قبل أوانها!"

قلتُ له وقد وقف شعر ذراعي من الخوف كمن لا يريد من الآخر تأكيد ظنونه: "أهو فعلًا؟!"

أومأ برأسه إيجابًا. وقال: "طالما أنك اطلعت على أمره فهو لن يتركك وليس بمستبعد أن. . ."

- "ليس بمستبعد ماذا؟"

- "ذُكر في الأثر أنّ رجلًا مؤمنًا يطلع على أمر الدجال، فيقوم الدجال بقتله. وأنت، كما أخبرتني، قد اطلعت على حقيقته من الوهلة الأولى وقرأت عليه ما يعصم من شره. فلما أراد قتلك ارتجف بشدة. فلعلك أنت ذلك الرجل المؤمن ويريد، لعنه الله، قتلك وهو يتتبعك الآن!"

- "كفى!"

- "أنا آسف! لم أقصد إخافتك. . .!"

فنظرت له نظرة رجاء أن يسكت.

لم أرد سماع المزيد، ودخلت في حالة صمت ناظرًا إلى إبريق الشاي فوق الجمرات المتوقدة ويتصاعد منه البخار في فضاء الحجرة. استوعب صديقي رفاعة رغبتي بعدم الاستمرار في الموضوع؛ ففتح موضوعات أخرى: منها ما هو شخصي، أمر يخصه هو، ومنها ما هو عام. غير أنني كنت ساهيًا.

في نهاية الأمر ودعني رفاعة وقال لي: "سوف تكون بخير." فأومأت له دون نطق كلمة.

جلستُ بعد ذلك في الصالة مع أمي أشاهد التلفزيون، رأسي على كتفها. كانت أمي مندمجة بمشاهدة المسلسل العربي. أما أنا فبقيتُ شارد الذهن أفكر: لقد كذبتُ نوفلًا فإذ به يصدق بكلامه. لم يكن نوفل متوهمًا. فلماذا لا أصدق استنتاج رفاعة إذن؟ ودون مقدمات، برق ظلٌ في جدار الممر الذي يؤدي إلى غرف النوم. فالتفتُ إلى أمي وكانت مستغرقة في المشاهدة. أمعقول أنها لم تلاحظ شيئًا قبل قليل؟ لا بد أن عقلي يتهيأ مواقف غير حقيقية. . .

انتهت الحلقة من المسلسل، فنهضت أمي من مكانها ونظرت إليّ قائلة: "بُني، ألا تريد الذهاب إلى النوم؟"

- "سوف أبقى قليلًا يا أمي. تصبحين على خير."

لم أكن أريد مجيء وقت النوم، ولكن الوقت يمضي شئتُ أم أبيتُ.

كان الذهاب إلى غرفة نومي، بعد موقف البارحة، كمثل الذهاب إلى مغامرة خطيرة.

- "بسم الله الرحمن الرحيم، قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق."

كنت أردد بصوت همس مسموع وأنا أقطع الممر المؤدي إلى غرفة النوم.

كنت قد أبقيتُ مصباح الغرفة مُضاءً؛ لأن الظلام يضاعف المخاوف. بينما أنا مستلقٍ على السرير ناظرًا إلى المصباح المتدلي من السقف، خُيِّلَ إليّ أنني أسمع صوتَ خطوات شخصٍ يركض في ممرات البيت! فهرعت أقفل باب غرفتي بالمفتاح. انصرمت ساعة ولم يحدث شيء. فاستعدت قليلًا من رباطة جأشي.

بقيتُ راقدًا على سريري محاولًا استحضار لحظات مفرحة: تذكرت أمي عندما كنتُ طفلًا وهي تأخذني إلى مدينة الألعاب الترفيهية، وأنا وصديقي رفاعة عندما ذهبنا إلى البر نقطف ثمار الكمأة. فجأة انطفأ المصباح من تلقاء نفسه! لقد نفد عمره الافتراضي في هذا اليوم تحديدًا، أيُّ حظ هذا! استنشقت هواءً بعمق ثم زفرت ببطء قائلًا لنفسي: "حذيفة أنت بخير، أنت بخير."

بعد برهة سمعتُ صوت طقطقة صادرة عن الدولاب. حاولت كبح هذه الخاطرة التي اعتملت في صدري: أيمكن أن يكون بداخل الدولاب؟ فكرت بالهرب إلى الصالة ولكن الفكرة التالية شلّت استعدادي للهروب؛ لكي أهرب من الغرفة يجب عليّ أولًا النهوض من السرير؛ وعندئذ سوف تكون قدماي أمام المساحة المظلمة تحت السرير، وقد تمتد يدان من الأسفل لتقبضا على ساقيّ! لقد تجمدت في مكاني ودثرت نفسي تحت الغطاء. وفجأة فُتح باب الدولاب من تلقاء نفسه مصدرًا صريرًا مخيفًا، كأن شخصًا كان مختبئًا وينتظر هذه اللحظة ليخرج! فتسارعت نبضات قلبي لدرجة أنها أصبحت مسموعة في أُذني. . . ثم سمعت دبيب قدمين تقتربان شيئًا فشيئًا من سريري: فانطلق لساني: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال. ثم لم أعد أسمع شيئًا بعدها وكان الظلام والصمت مهيمنين على الجو!

ورغم ذلك بقيتُ مستيقظًا. عيناي جاحظتان وأذناي تنصتان لأخفت همسة وحركة وصوت. وبقيت هكذا حتى أشرقت الشمس وحمدت الله أنني لا أزال حيًا. لم أنهض من فراشي إلا بعدما سمعت صوت أمي من وراء باب غرفتي لتطمئن عليّ لأتناول معها الفطور. فتحت باب غرفتي ولم أجب عن سؤالها: "لماذا كان باب غرفتك مقفلًا؟" ذهبت أمي إلى الصالة وبقيت أنا واقفًا في غرفتي أنظر إلى باب الدولاب. استجمعت شجاعتي وخطوتُ ناحيته. تلوت البسملة قبل فتحه. . . فصرخت صرخة لم أصرخها من قبل، جعلت أمي تركض مسرعة إليّ.

- "بسم الله عليك! بسم الله عليك! حذيفة!" قالت أمي مرتعبة عليّ ومذعورة من الشيء الذي أرعبني.

أشرت بإصبعي إلى أرضية الدولاب وقد كان بها طين!

صاحت أمي: "ما الذي جلب الطين إلى الدولاب؟!"

تهالكت على الأرض واصفر لون وجهي ولم أكن مركزًا مع أمي إلا عندما هزّتني قائلة لي: "أعِرني انتباهك حذيفة. ما معنى هذا؟"

- "إنه هو!"

- "مَن؟"


- "المسيح الدجال!"
 
التعديل الأخير:

المتواجدون في هذا الموضوع

أعلى أسفل