رواية جديدة رواية قمرية (3 زائر)


أيمن كناني

وتشاءُ أنت من الأماني نجمةً ويشاء ربّكَ أن يُناولك القمر .
إنضم
17 مارس 2020
رقم العضوية
10845
المشاركات
7,725
الحلول
1
مستوى التفاعل
32,107
النقاط
1,202
أوسمتــي
11
العمر
25
توناتي
610
الجنس
ذكر
LV
2
 
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته كيفكم شو اخباركم ان شاء الله تمام اليوم اقدم لكم عملي الثاني
انا حاليا اعمل على عملين رواية جابر وهادي الثانية رواية قمرية ان شاء الله رح احاول كل ثلاث ايام انزل فصل في كلتا الروايتين انا حاليا مجهز بعض الفصول لازمها بس بعض التعديلات والنشر طبعا كل ثلاث ايام اتمنى تنال هاي الرواية اعجابكم كل الود


okEkoSA.png

اسم الرواية : قمرية
التصنيف : مغامرات, رومانسية , دراما, اكشن
الحالة : مستمرة
عدد الفصول : غير معروف
موعد نشر الفصول : كل ثلاثة ايام ان شاء الله
الكاتب : أيمن كناني

القصة :

في قرية "ذات النخيل"، وُلدت قمرية في بيت الشرف ابنة الحاكمين بقلب لا يعرف المساومة على العدالة. وعندما تمتد أيدي الفساد إلى قريتها، يظهر سعد عبقري استراتيجي يحول كل معركة إلى لعبة شطرنج يتقن قواعدها وحده. الحيلة سلاحه، والخداع فنه، والتكتيك لغته التي لا يفهمها سواه. معاً، يصنعان معادلة مستحيلة: قلب لا يتراجع أمام الظلم، وعقل لا يُهزم في ساحات الذكاء. ما يبدأ كصراع ضد فاسدين محليين، يتحول إلى ملحمة واسعة تشعل حروباً صامتة ضد قرى وحكام وممالك بأكملها. رواية طويلة تمتد عبر مئات الفصول، تروي كيف يمكن لشخصين بالحب والذكاء أن يعيدا رسم خريطة العالم من حولهما.




 

أيمن كناني

وتشاءُ أنت من الأماني نجمةً ويشاء ربّكَ أن يُناولك القمر .
إنضم
17 مارس 2020
رقم العضوية
10845
المشاركات
7,725
الحلول
1
مستوى التفاعل
32,107
النقاط
1,202
أوسمتــي
11
العمر
25
توناتي
610
الجنس
ذكر
LV
2
 
at_172259249108142.png

November
Shine


-

الفصل الأول :

العنوان: "في بيت الشرف"
الألم جاء مع الفجر.
نورة سيدة القرية، امرأة في الثلاثين من عمرها، وجه جميل رغم آثار الشمس والعمل في الحقول، عيون بنية دافئة تحمل الحكمة والكبرياء استيقظت على موجة حادة في أسفل بطنها.
توقفت للحظة، تنفست بعمق.
ثم ابتسمت.
"اليوم"، همست لنفسها. "اليوم ستأتين يا صغيرتي."
بجانبها، زوجها حارث لا يزال نائماً. سيد القرية وحاميها رجل في الخامسة والثلاثين، جسد قوي من سنوات العمل في الحقول والقتال دفاعاً عن القرية، لكن وجهه حتى وهو نائم يحمل طيبة نادرة لحاكم. ندبة صغيرة على ذقنه من معركة قديمة، شعر أسود بدأت تتسلل إليه خيوط فضية، ويداه خشنتان من حمل المحراث والسيف معاً.
لمست نورة كتفه برفق.
"حارث."
لم يستيقظ.
هزته قليلاً.
"حارث، استيقظ."
فتح عينيه ببطء، نظر إليها بنعاس، ثم فجأة اتسعت عيناه.
"هل...؟"
ابتسمت نورة، أومأت.
قفز حارث من الفراش كأن عقرباً لدغه.
"الآن؟! الآن؟! يا إلهي، ماذا أفعل؟! أين... أين القابلة؟! هل أحضر الماء؟! أم..."
ضحكت نورة رغم الألم. ضحكة عميقة، دافئة.
"يا حارث، هذه المرة الثالثة. ألم تعتد بعد؟"
"لكن... لكن..."
موجة ألم أخرى جعلت نورة تتوقف عن الضحك. أمسكت بطنها، تنفست بعمق.
حارث، رأى ذلك، ورغم ارتباكه، جثا بجانبها فوراً.
"أنا هنا. أنا هنا يا حبيبتي."
مسك يدها. يد كبيرة، خشنة من العمل في الأرض والسيف، لكن لمستها كانت أرق من الحرير.
"اذهب"، قالت نورة، تبتسم رغم الألم. "أحضر أمك. وأيقظ الأطفال. أريدهم أن يعرفوا... أن أختهم تأتي. وأيقظ شاكر، قد نحتاج مساعدته."
البيت كان متواضعاً، لكنه لم يكن فقيراً.
بيت حارث بن عامر سيد القرية وحاميها كان أكبر قليلاً من بقية البيوت، لكنه بُني من نفس الطين والخشب. طابقان بسيطان.
الطابق السفلي للمعيشة: غرفة واسعة نسبياً تُستخدم للطبخ والاستقبال (موقد حجري، بضعة أثاث خشبية بسيطة صنعها حارث بنفسه، حصير من القش المنسوج، جرار فخارية للماء والحبوب). في زاوية صغيرة، غرفة متواضعة يقيم فيها شاكر.
الطابق العلوي للنوم: ثلاث غرف صغيرة (واحدة للزوجين، واثنتان للأطفال).
لم يكن بيتاً فخماً، لكنه كان نظيفاً، دافئاً، مليئاً بالحب.
القرية نفسها "ذات النخيل" كانت متواضعة.
قرية فلاحية بسيطة، حوالي مئتا عائلة، كلهم يعملون في الأرض. حقول قمح محدودة، بساتين نخيل صغيرة، حدائق خضروات يعتني بها كل بيت. نهر صغير يمر بجوارها يسقي الأرض. سوق صغير يُقام مرة في الأسبوع. معبد واحد متواضع.
الناس هنا لم يكونوا أغنياء، لكنهم كانوا يعيشون بكرامة. يعملون بجد، يتشاركون في المواسم، يساعدون بعضهم.
وحارث ونورة حكماها بعدل وحكمة. لم يكونا يجلسان في قصر، بل كانا يعملان في الحقول مع الناس. حارث يحمل المحراث في النهار والسيف عند الحاجة. ونورة تساعد النساء في الحصاد وتحل مشاكلهم بحكمة.
لهذا أحبهم الناس.
حارث ركض وهو لا يزال يرتدي ثوب النوم إلى البيت المجاور.
بيت أمه، أم حارث (الجميع يسمونها هكذا، نسوا اسمها الحقيقي منذ زمن).
امرأة في الستين، قامة منتصبة رغم السنين، عيون حادة ترى كل شيء، لكن فيها أيضاً حنان عميق لعائلتها. يداها مليئتان بالتجاعيد من سنوات العمل والتوليد.
كانت القابلة الوحيدة في القرية. ولّدت كل سكانها تقريباً.
فتح الباب بقوة: "أمي!"
أم حارث كانت تستيقظ للتو. نظرت إليه، فهمت فوراً.
"نورة؟"
أومأ بحماس.
ابتسمت أم حارث ابتسامة عريضة.
"أخيراً! كنت أنتظر هذا اليوم." نهضت بسرعة مذهلة لامرأة في سنها، أمسكت سلتها القديمة المنسوجة من القش (مليئة بالأعشاب التي تجمعها من الحقول، الخيوط، سكين صغيرة نظيفة، كل ما تحتاجه قابلة ماهرة).
"اذهب، أيقظ الأطفال. وابقَ معهم. الرجال حتى لو كانوا سادة القرى لا فائدة منهم في غرفة الولادة إلا التوتر والإزعاج."
"لكن..."
"اذهب!" أمرت بنبرة لا تقبل النقاش.
حارث، سيد القرية الذي واجه اللصوص والوحوش، انصاع لأمه كطفل صغير.
في طريق عودته، مر بغرفة شاكر الصغيرة. طرق الباب بقوة.
"شاكر! استيقظ!"
فُتح الباب فوراً. شاكر رجل ضخم في الأربعين من عمره، أكتاف عريضة، ذراعان بحجم جذوع الأشجار، وجه صارم لكن عينيه تحملان ولاءً مطلقاً وقف مستقيماً، رغم أن ثوبه البسيط وغرفته المتواضعة تدل على حياته البسيطة.
"سيدي؟"
"نورة تلد. أحضر الماء من البئر، وسخّنه على النار. واجلب المناشف النظيفة. واملأ كل الجرار، قد نحتاج الكثير."
"حالاً يا سيدي." انطلق شاكر بسرعة مذهلة لرجل بهذا الحجم.
شاكر لم يكن مجرد خادم. كان الرجل الذي أنقذ حياة حارث مرتين في المعارك. رجل بقوة تضاهي قوة حارث نفسه، وربما تفوقها. لكنه اختار أن يخدم عائلة حارث بإخلاص، لأن حارث أنقذه من العبودية ذات مرة ومنحه الحرية والكرامة. رفض شاكر أن يغادر، واختار أن يبقى مع هذه العائلة الطيبة، يعمل معهم في الحقول نهاراً ويحميهم ليلاً.
في الطابق العلوي، في إحدى غرف النوم الصغيرة، كان طفلان نائمين على فراش بسيط من القش المغطى بأغطية صوفية نسجتها نورة بيديها.
عادل سبع سنوات. صبي نحيل، شعر أسود كثيف، عيون واسعة دائمة الفضول. ذكي جداً لسنه، يحب القصص والألغاز، دائم الأسئلة. يعرف أنه سيكون سيد القرية يوماً ما، لكنه يعرف أيضاً أن هذا يعني العمل في الحقول والعدل بين الناس، وليس الجلوس في قصر.
سلمى أربع سنوات. فتاة صغيرة، خدود ممتلئة، ضحكة معدية، تتبع أخاها أينما ذهب. الجميع في القرية يحبها.
حارث فتح الباب بهدوء، اقترب منهما.
"عادل. سلمى. استيقظوا."
عادل فتح عينيه فوراً (نوم خفيف، كعادته).
"أبي؟ ماذا حدث؟"
"أمكم... ستلد."
جلس عادل فوراً، عيناه تلمعان.
"الآن؟! أختنا تأتي الآن؟!"
"أو أخوك"، صحح حارث مبتسماً.
"لا، أختنا!" أصر عادل. "أمي قالت إنها تشعر أنها بنت."
هز سلمى الصغيرة: "سلومة، استيقظي. أختنا تأتي!"
سلمى فتحت عينيها ببطء، نظرت حولها بنعاس، ثم فجأة ابتسمت ابتسامة عريضة.
"أختي؟!"
"نعم."
صفقت بيديها الصغيرتين.
"يا إلهي! يا إلهي! هل ستلعب معي؟ هل ستحب دميتي؟ هل..."
ضحك حارث. رفعها بين ذراعيه.
"ليس الآن يا صغيرتي. عليها أن تُولد أولاً. وهذا يأخذ وقتاً."
في الغرفة البسيطة، كانت نورة مستلقية على الفراش المتواضع.
أم حارث جلست بجانبها على الأرض، تفحص الوضع بعيون خبيرة.
"كم مرة؟" سألت، تقصد الانقباضات.
"كل... عشر دقائق تقريباً"، أجابت نورة، تتنفس بعمق.
"جيد. لا تزال في البداية. ربما ساعات."
"ساعات؟!" تأوهت نورة. "أريدها أن تخرج الآن."
ضحكت أم حارث، ربتت على يدها.
"الأطفال دائماً يأتون في وقتهم الخاص، لا في وقتنا. لقد تعلمت هذا من ولادة ابني. أخذ ست عشرة ساعة."
"ست عشرة؟!"
"وكان يستحق الانتظار." نظرت أم حارث إلى الباب، حيث كان حارث يقف خارجاً، يحاول أن يسمع، قلق. "رغم أنه لا يزال يتصرف كطفل أحياناً، حتى وهو سيد القرية."
ضحكت نورة، ثم توقفت فجأة.
موجة ألم جديدة. أقوى من السابقة.
أمسكت يد أم حارث بقوة.
"تنفسي"، أمرت أم حارث بصوت هادئ، حازم. "شهيق عميق... زفير بطيء. هكذا. أحسنتِ."
نورة تنفست. الألم مر.
دخل شاكر بهدوء، يحمل جرتين كبيرتين من الماء الساخن ومناشف قماشية نظيفة غسلتها نورة بنفسها.
"سيدتي، كل ما طلبتِه." وضعها بهدوء بجانب الباب، ثم انسحب بسرعة وصمت.
"شاكر رجل طيب"، قالت أم حارث. "نادراً ما نرى من يخدم بهذا الإخلاص."
"إنه ليس خادماً"، قالت نورة بين أنفاسها. "إنه عائلة."
مرت الساعات ببطء.
الشمس ارتفعت في السماء. الضوء الذهبي دخل من النافذة الصغيرة. في الخارج، القرية استيقظت. أصوات الديوك، صياح الفلاحين وهم يتوجهون للحقول، الناس يتهامسون: "سيدتنا تلد اليوم!"
في الطابق السفلي، حارث حاول أن يشغل عادل وسلمى.
أعد لهما الإفطار البسيط ساعده شاكر خبز من قمح حقولهم، جبن بيتي، بضع تمرات، ماء من البئر. حكى لهما قصة قديمة عن جدهم الذي أسس القرية وحرث أول حقل فيها. علّم عادل بعض حركات السيف البسيطة بعصا خشبية.
شاكر وقف بالقرب، يراقب. كان يحب هذه العائلة البسيطة الطيبة.
لكن كل بضع دقائق، كان حارث ينظر للأعلى.
كان يسمع الأصوات. تأوهات نورة. صوت أمه تشجعها. وأحياناً، صمت مخيف.
"أبي، هل أمي بخير؟" سأل عادل، قلق.
"بخير يا بني. هذا طبيعي."
"لماذا تتألم؟"
حارث جلس، جذب ابنه إلى حضنه.
"لأن إنجاب الحياة صعب يا عادل. أصعب شيء في العالم. لكن أمك قوية. أقوى مني."
"حقاً؟" نظر عادل لشاكر أيضاً. "حتى أقوى من عمو شاكر؟"
شاكر ابتسم ابتسامة نادرة. "أقوى منا جميعاً، يا سيدي الصغير."
حارث أومأ. "النساء أقوى منا نحن الرجال. نحن فقط نتظاهر بالقوة بالسيوف والعضلات. لكنهن..." نظر للأعلى. "هن يحملن الحياة نفسها في أجسادهن. أي قوة أعظم من هذا؟"
عادل فكر في هذا، أومأ ببطء.
"سأكون لطيفاً جداً مع أمي بعد اليوم."
ابتسم حارث، قبّل رأس ابنه.
"هذا جيد يا بني."
عند الظهر، كانت الانقباضات أقوى، أسرع.
نورة تتصبب عرقاً. شعرها الطويل ملتصق بجبينها. يداها تمسكان حافة الفراش بقوة حتى ابيضت مفاصلها.
أم حارث كانت هادئة، محترفة، لكن عيناها كانت يقظة.
"كم الآن؟"
"كل... دقيقتين"، أجابت نورة بصعوبة.
"جيد. قريباً. قريباً جداً."
"لا أستطيع... لا أستطيع..."

"تستطيعين." أمسكت أم حارث وجه نورة بكلتا يديها، نظرت مباشرة في عينيها. "استمعي إليّ يا نورة. أنتِ سيدة هذه القرية. أنتِ من تعملين في الحقول مع النساء وتحملين المسؤولية. أنتِ ولدتِ طفلين من قبل. أنتِ أقوى مما تظنين. هذه الطفلة تريد أن تخرج. هي تقاتل أيضاً. أنتِ لستِ وحدكِ في هذا."
نورة نظرت في عيني حماتها. رأت الحكمة، الخبرة، الإيمان.
أومأت.
"حسناً. حسناً."
موجة انقباض جديدة. أقوى من أي شيء قبلها.
نورة صرخت. صرخة طويلة، عميقة، من مكان لم تكن تعرف أنه موجود في داخلها.
في الطابق السفلي، حارث سمع الصرخة. توقف قلبه للحظة.
شاكر وقف مستعداً، قبضتاه مشدودتان، كأنه يريد أن يحمي سيدته من أي خطر حتى لو كان هذا الخطر هو الولادة نفسها.
عادل أمسك يد أبيه.
"أبي؟"
حارث ابتلع، حاول أن يبقى هادئاً.
"كل شيء على ما يرام. فقط... صلّوا.
"أراها! أرى الرأس!"
أم حارث، بعد ساعات من الانتظار والعمل، رأت أخيراً ما كانت تنتظره.
"اضغطي يا نورة! الآن! اضغطي!"
نورة جمعت كل ما تبقى من قوة في جسدها المنهك. كل خلية، كل نَفَس، كل قطرة من إرادتها.
ضغطت.
صرخت صرخة أخيرة. صرخة لم تكن ألماً فقط، بل كانت نصراً. كانت تحدياً. كانت إعلاناً للكون:
"أنا أجلب الحياة!"
وفي تلك اللحظة، خرجت الطفلة.
صمت.
لحظة قصيرة، رهيبة، من الصمت المطلق.
ثم...
بكاء.
بكاء رضيع. قوي، واضح، غاضب.
أم حارث أمسكت الطفلة، قطعت الحبل السري بسكينها النظيفة، نظفتها بسرعة بالماء الدافئ والمناشف التي أحضرها شاكر.
"بنت!" أعلنت، ابتسامة عريضة على وجهها. "بنت جميلة! وسليمة!"
نورة، منهكة تماماً، لكن عيناها مفتوحتان، مدت ذراعيها.
"أعطني... إياها."
أم حارث، بلطف، وضعت الطفلة الصغيرة على صدر أمها.
نورة نظرت إلى ابنتها لأول مرة.
وجه صغير، أحمر، مجعد قليلاً (كل الأطفال هكذا). عينان مغلقتان. يدان صغيرتان بحجم زهرة، تتحركان في الهواء.
كاملة. سليمة. حية.
"أهلاً"، همست نورة، دموعها تنهمر. "أهلاً يا صغيرتي."
الطفلة توقفت عن البكاء. كأنها سمعت صوت أمها، عرفته، شعرت بالأمان.
أم حارث مسحت دموعها هي الأخرى (لم تكن تريد الاعتراف، لكن كل ولادة ناجحة كانت تجعلها تبكي).
"اسمها؟" سألت بهدوء.
نظرت نورة إلى ابنتها. كانت قد فكرت في أسماء كثيرة طوال الأشهر التسعة. لكن الآن، وهي تنظر إلى هذا الوجه الصغير، كان هناك اسم واحد فقط بدا صحيحاً.
"قمرية."
"قمرية؟ لماذا؟"
ابتسمت نورة.
"لأنها ولدت في النهار، لكنني أعرف... أعرف أنها ستضيء ظلمة أحدهم يوماً ما. مثل القمر."
أم حارث ابتسمت، ربتت على كتف نورة.
"اسم جميل. قمرية بنت حارث بن عامر، سيد ذات النخيل."
فُتح الباب بحذر.
حارث دخل ببطء هذه المرة (تعلم أخيراً أن لا يقتحم).
"نورة؟ هل أنتِ...؟"
رأى زوجته. متعبة، متصببة عرقاً، لكن تبتسم. وفي حضنها...
توقف. نظر.
ابنته.
اقترب ببطء، كأنه خائف أن يكسر شيئاً. هذا السيد القوي، حاكم القرية الذي يحمل المحراث والسيف، صار كطفل خجول.
جثا بجانب الفراش، نظر إلى الطفلة.
"بنت"، همست نورة.
"بنت"، كرر حارث، صوته مرتجف.
مد إصبعه الإصبع الخشن من العمل ولمس يد الطفلة الصغيرة بحذر شديد.
الطفلة قمرية أمسكت إصبعه بقبضتها الصغيرة.
قبضة قوية، رغم أنها وُلدت منذ دقائق.
شيء داخل صدر حارث انكسر وتجمّع من جديد في نفس اللحظة.
"قمرية"، قال بهدوء. "اسمها قمرية."
أومأت نورة.
نظر حارث في عيني زوجته. كان هناك الكثير ليقوله، لكن الكلمات لم تكن كافية.
فقط انحنى، قبّل جبينها.
"شكراً"، همس. "شكراً على هذه الهدية."
دخل عادل وسلمى بهدوء، بعد أن سمح لهم شاكر بالصعود.
"أمي!" همس عادل، عيناه واسعتان.
"تعالا، انظرا لأختكما."
اقتربا بحذر. نظرا للطفلة الصغيرة.
"صغيرة جداً!" همست سلمى بدهشة.
"كنتِ أصغر منها عندما وُلدتِ"، ابتسمت نورة.
"هل ستكبر؟"
"نعم يا حبيبتي. وستلعب معكِ في الحقول."
ابتسمت سلمى ابتسامة عريضة.
عادل نظر لأخته الصغيرة بجدية.
"سأحميها"، قال بصوت حازم لصبي في السابعة. "أنا أخوها الأكبر. سأعلمها كل شيء. كيف تحرث الأرض، كيف تحمي نفسها، كيف تكون عادلة. لن يؤذيها أحد."
ابتسم حارث، ربت على كتف ابنه.
"أعرف أنك ستفعل يا بني."
وخارج الغرفة، وقف شاكر بصمت، يسمع كل شيء، يبتسم ابتسامة نادرة.
عائلة جديدة. طفلة جديدة.
حياة جديدة في بيت الشرف البسيط.
وفي تلك اللحظة، في ذلك البيت المتواضع، في تلك القرية الفلاحية البسيطة، ولدت قمرية.
ولدت في بيت مليء بالحب والشرف.
في عائلة حاكمة، لكن بسيطة وطيبة.
حيث السيد يحمل المحراث مع شعبه.
وحيث السيدة تعمل في الحقول مع النساء.
وحيث الكرامة لا تأتي من الذهب، بل من العدل والعمل الشريف.
ولدت قمرية في هذا المكان...
لم تكن تعرف بعد ما ينتظرها.
لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً:
هذه الطفلة، المولودة في بيت متواضع، ستغيّر العالم يوماً ما.


[نهاية الفصل الأول]
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

Anya chan

فول سوداني 🥜🥜✨️✨️
إنضم
28 سبتمبر 2025
رقم العضوية
14897
المشاركات
377
مستوى التفاعل
4,023
النقاط
163
أوسمتــي
1
العمر
12
الإقامة
من قلب ماما يومي و عمو أيمن 🥜🥜✨️
توناتي
500
الجنس
أنثى
LV
0
 
at_17251476208751.png


November
Shine



السلام عليكم و رحمة الله وبركاته
كيف حالك يا ايمن اتمنى ان تكون بخير
احببت الرواية من اول فصللولو5
كما انك اهتممت بادق التفاصيل
و التعبير رائع انت تستخدم كلمات سهلة الفهم و عميقة في نفس الوقت
وصفت كل شخصية باسلوب دقيق
تعجز الكلمات عن وصف ابداعك
استمر فانا متشوقة لرؤية المزيد من فنك
دمت في امان الله
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

S a n d r a

Classy ?
إنضم
28 يونيو 2020
رقم العضوية
11248
المشاركات
7,298
مستوى التفاعل
36,219
النقاط
1,633
أوسمتــي
16
العمر
19
الإقامة
الأردن
توناتي
3,764
الجنس
أنثى
LV
3
 
at_17251476208751.png


December
-

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

ما شاء الله , بداية موفقة أخي أيمن.
أسلوب سلس , وضوح بدون تفاصيل كثيرة و لا اختصار شديد.
وصف لطيف لطبيعة الشخصيات و اسلوبها .
من الجميل رؤية بداية رواية هادئة كهذه لتكون اللبنة الأساسية لأحداث مشوقة لاحقة !
متحمسةٌ لرؤية ما أنت مقدم على كتابته !
ما زالت الشخصيات في بدايتها , غير مكتملة
لذا اترك التعليق عليها إلى ما بعد التعمق أكثر في النص !

كل الاحترام ! و3
-​
 
التعديل الأخير:

أيمن كناني

وتشاءُ أنت من الأماني نجمةً ويشاء ربّكَ أن يُناولك القمر .
إنضم
17 مارس 2020
رقم العضوية
10845
المشاركات
7,725
الحلول
1
مستوى التفاعل
32,107
النقاط
1,202
أوسمتــي
11
العمر
25
توناتي
610
الجنس
ذكر
LV
2
 
at_172259249108142.png

S a n d r a - January


-

الفصل الثاني:
العنوان : "ولادة في الظلام"


الألم جاء مع الغروب.
ليلى امرأة في الخامسة والعشرين، وجه شاحب من المرض والجوع، عيون خضراء باهتة كانت يوماً مليئة بالحياة استيقظت على موجة ألم قاسية في بطنها.
لم تبتسم.
لم تكن تملك القوة للابتسام.
فقط أمسكت بطنها، وحاولت ألا تصرخ.
كانت وحيدة في الكوخ الصغير المتهالك على أطراف القرية. لا زوج بجانبها. لا عائلة. لا أحد.
زوجها كريم مات قبل ستة أشهر. حمّى شديدة أخذته في ثلاثة أيام. لم تملك المال لإحضار الطبيب. شاهدته يموت ببطء، عاجزة.
ومنذ ذلك الحين، كانت وحدها. حامل، مريضة، فقيرة.
أهل القرية ساعدوها في البداية. القليل من الطعام هنا، بعض الحطب هناك. لكن الناس لديهم مشاكلهم. والشتاء كان قاسياً. والطعام قليلاً.
توقفت المساعدات تدريجياً.
صارت ليلى أكثر وحدة.
والآن... الطفل يأتي.
"لا... ليس الآن"، همست بصوت ضعيف. "ليس وحدي... من فضلك..."
لكن الألم لم يستمع لتوسلاتها.
موجة أخرى. أقوى. أقسى.
صرخت. صرخة خافتة، لا أحد يسمعها في هذا الكوخ البعيد.
الكوخ كان في أسوأ حال.
ليس مثل بيت حارث المتواضع لكن الكريم. هذا كان كوخاً حقيقياً جدران طينية متصدعة، سقف من القش به ثقوب تدخل منها الرياح الباردة، أرضية ترابية رطبة.
غرفة واحدة صغيرة. بها فراش رث من قش قديم ملقى في الزاوية. موقد حجري صغير، بارد، لا نار فيه منذ أيام (لم يكن لديها حطب). جرة فخارية واحدة، نصف ممتلئة بماء عكر.
لا طعام. لا دفء. لا ضوء.
فقط الظلام الذي يزحف مع الغروب.
القرية نفسها كانت قرية أخرى، على بعد يومين من "ذات النخيل". قرية أصغر، أفقر. "وادي الحجر" اسم يعكس قساوة الأرض الصخرية حولها.
هنا، لم يكن الناس يعيشون بكرامة مثل قرية حارث. كانوا يصارعون البقاء. الأرض صعبة، المحاصيل قليلة، الحياة قاسية.
ليلى كانت واحدة من الأضعف في هذه القرية القاسية.
وحيدة، مريضة، بلا عائل.
والآن... تلد في الظلام.
في الجانب الآخر من القرية، كانت امرأة عجوز تسير ببطء.
زينب امرأة في السبعين، ظهر منحني من سنوات العمل الشاق، وجه مليء بالتجاعيد، لكن عيون لا تزال حادة.
كانت تعود من زيارة حفيدتها، تحمل سلة فارغة.
توقفت فجأة.
نظرت نحو أطراف القرية، حيث الأكواخ المهجورة والمتهالكة.
"هل سمعت شيئاً؟" تساءلت بصوت خافت.
استمعت بانتباه.
الريح. صوت الأشجار. صياح بعيد لطائر ليلي.
لا شيء آخر.
هزت رأسها، "كبرتِ يا زينب، بدأتِ تتخيلين الأصوات."
أكملت طريقها.
لكن بعد خطوات، توقفت مرة أخرى.
ذلك الشعور... شعور غريب في صدرها.
نظرت مرة أخرى نحو الأكواخ البعيدة.
"ربما..."
ترددت.
ثم، بتنهد، غيّرت اتجاهها نحو تلك الأكواخ.
"على الأقل أتفقد. لن يضرني."
ليلى كانت على الأرض الآن.
سقطت من على الفراش الرث. لم تعد قادرة على الوقوف أو حتى الجلوس.
الألم كان أقوى من أي شيء تخيلته.
أقوى من الجوع.
أقوى من البرد.
أقوى من الحزن على زوجها الميت.
"كريم..."، همست باسم زوجها. "ساعدني... أرجوك..."
دموعها انهمرت، تاركة خطوطاً على وجهها المتسخ.
"لا أستطيع... لا أستطيع أن أفعلها وحدي..."
موجة ألم جديدة.
صرخت. صرخة أعلى هذه المرة.
لكن الكوخ كان بعيداً. والناس كانوا في بيوتهم، أبوابهم مغلقة ضد برد المساء.
لا أحد سمعها.
زينب وصلت إلى الكوخ المتهالك.
الباب الخشبي المتصدع كان نصف مفتوح، يتأرجح مع الريح.
"مرحباً؟ هل هناك أحد؟"
صمت.
دخلت ببطء، حذرة.
الظلام في الداخل كان كثيفاً. الشمس غابت تقريباً، وليس هناك شموع أو مصابيح مضاءة.
"مرحباً؟"
ثم سمعته.
أنين ضعيف.
"يا إلهي..."
اقتربت أكثر، وعيناها العجوزان تعتادان على الظلام.
رأتها.
ليلى. ملقاة على الأرض الترابية الرطبة، تتلوى.
"طفلة! يا إلهي، أنتِ تلدين!"
ركضت زينب بسرعة مذهلة لامرأة في سنها وركعت بجانب ليلى.
ليلى فتحت عينيها بصعوبة. "عمة... زينب؟"
"أنا هنا يا ابنتي. أنا هنا."
نظرت زينب حولها بذعر.
الكوخ بارد. مظلم. لا ماء نظيف. لا نار. لا مناشف. لا أي شيء.
ولا وقت لإحضار قابلة أو لنقل ليلى.
الطفل يأتي. الآن.
"يجب أن نفعلها هنا. الآن."
سحبت سكيناً صغيراً كانت تحمله في حزامها.
"استمعي إليّ يا ليلى." أمسكت وجه الفتاة الشاحب بين يديها. "أنا لست قابلة. لكنني ولدت ستة أطفال. رأيت عشرات الولادات في حياتي. يمكنني مساعدتك. لكن عليكِ أن تقاتلي معي. تقاتلي من أجل طفلك. هل تسمعينني؟"
ليلى، بصعوبة بالغة، أومأت.
"جيدة. الآن... اضغطي!"
الساعة التالية كانت جحيماً.
ليلى كانت ضعيفة جداً. لم تأكل جيداً منذ أشهر. جسدها منهك من المرض والجوع والحزن.
زينب عملت بكل خبرتها. شجعت. أمرت. صرخت أحياناً. > مصطلح الحديث: "اضغطي يا ليلى! مرة أخرى! أرى الرأس!"
لكن ليلى كانت تضعف.
مع كل انقباض، كانت أصواتها تخف.
مع كل دفعة، كان جسدها يرتخي أكثر.
زينب رأت الدم. كثير جداً.
"لا... لا يا ابنتي. ابقي معي. ابقي معي!"
لكنها كانت تعرف.
كانت قد رأت هذا من قبل، منذ سنوات طويلة.
ليلى تموت.
"اضغطي! مرة أخيرة! من أجل طفلك!"
ليلى، بآخر قطرة من قوتها، ضغطت.
صرخة خافتة، مختنقة.
وخرج الطفل.
صمت مطلق.
لحظة طويلة من الصمت المرعب.
زينب أمسكت الطفل بسرعة. جسد صغير، أزرق قليلاً، مغطى بالدم.
نظفته بطرف ثوبها (لم يكن هناك ماء نظيف).
قطعت الحبل السري بالسكين، بيدين ترتجفان.
لكن الطفل لم يبكِ.
"لا... لا لا لا..."
قلب زينب توقف.
قلبته على بطنه، ضربت ظهره برفق.
لا شيء.
مرة أخرى، أقوى.
لا شيء.
"تنفس! تنفس أيها الصغير!"
ضربته مرة ثالثة، هذه المرة بقوة ربما كانت أكثر من اللازم.
فجأة...
سعال صغير.
ثم... بكاء.
بكاء ضعيف، خافت، لكنه كان هناك.
"الحمد للآلهة!" همست زينب، دموعها تنهمر.
لفت الطفل بقطعة قماش رثة وجدتها في الكوخ.
"ولد، يا ليلى! ولد! لديكِ ولد!"
نظرت إلى ليلى لتريها ابنها.
وتوقف كل شيء.
ليلى كانت ساكنة.
وجهها، الذي كان شاحباً، صار أكثر شحوباً رمادياً تقريباً.
عيناها مفتوحتان، تحدقان في الظلام، لكن لا حياة فيهما.
فمها نصف مفتوح، كأنها توقفت في منتصف نفس.
يداها، اللتان كانتا تمسكان بطنها، سقطتا على الأرض.
"ليلى؟"
زينب مدت يدها، لمست عنق الفتاة.
لا نبض.
"ليلى؟!"
هزتها برفق.
لا حركة.
"لا... يا ابنتي... لا..."
وضعت الطفل الباكي جانباً بحذر، وحاولت أن تفعل شيئاً - أي شيء.
ضغطت على صدرها. نفخت في فمها. هزتها. صرخت باسمها.
لا شيء.
ماتت.
ماتت وهي تلد ابنها.
أعطت آخر قطرة من حياتها لتجلب حياة جديدة للعالم.
زينب جلست على الأرض الترابية الرطبة، تنظر إلى جثة الفتاة الشابة.
خمسة وعشرون عاماً. كان عندها حياة كاملة أمامها.
لكن الحياة لم تكن عادلة.
خصوصاً في قرية مثل "وادي الحجر".
الطفل استمر في البكاء. بكاء ضعيف، خافت، لكنه ملح.
زينب مسحت دموعها، التقطت الطفل مرة أخرى.
نظرت إليه.
وجه صغير، أحمر، مجعد. عينان مغلقتان بإحكام. فم صغير مفتوح يبكي.
يبكي طالباً أمه.
أم لن تأتي أبداً.
"مسكين..."، همست زينب. "جئت إلى هذا العالم يتيماً تاماً."
زينب جلست في ذلك الكوخ المظلم لوقت طويل.
الطفل في حضنها. جثة أمه على الأرض.
كانت بحاجة للتفكير.
ماذا تفعل الآن؟
يجب أن تخبر أهل القرية. يجب أن تدفن ليلى بشكل لائق.
ويجب أن تفعل شيئاً بخصوص هذا الطفل.
نظرت إليه مرة أخرى.
توقف عن البكاء أخيراً. كان مستلقياً في حضنها، هادئاً، عيناه لا تزالان مغلقتين.
"ليس لديك أحد في هذا العالم، أليس كذلك؟"
فكرت في أهل القرية. من سيأخذ طفلاً يتيماً؟
العائلات هنا بالكاد تطعم أطفالها. من سيأخذ فماً إضافياً؟
"ربما..."
نظرت إلى الطفل.
شيء في داخلها ربما غريزة الأمومة التي لا تموت أبداً، ربما مجرد رحمة عجوز جعلها تقرر.
"سآخذك."
أومأت لنفسها.
"أنا عجوز. ربما لن أعيش طويلاً لأراك تكبر. لكن... لن أتركك تموت هنا. لن أتركك وحدك."
ضمت الطفل إلى صدرها.
"سأعتني بك يا صغيري. لأجل أمك المسكينة التي أعطت حياتها لتجلبك إلى هذا العالم القاسي."
بعد فترة، وقفت زينب ببطء.
لفت الطفل بإحكام في قطعة القماش الرثة لحمايته من البرد.
خرجت من الكوخ، تاركة جثة ليلى في الداخل (ستعود مع رجال من القرية لإحضارها).
الليل كان قد حل تماماً الآن. السماء مظلمة. القمر خافت خلف السحب.
بردت الرياح. الطفل ارتجف قليلاً في ذراعيها.
"سأدفئك قريباً. أعدك."
مشت في الطريق الترابي، نحو بيتها.
الطفل فتح عينيه للمرة الأولى.
عينان داكنتان، تنظران حولهما في الظلام.
نظر إلى وجه زينب العجوز.
ولسبب ما، شعرت زينب بقشعريرة غريبة.
تلك النظرة... لم تكن نظرة رضيع عادي.
كانت هناك... ذكاء ما. شيء عميق. شيء لا ينبغي أن يكون في عيني طفل وُلد منذ ساعة.
"من أنت؟"، همست زينب، نصف تمزح، نصف جادة.
الطفل، بالطبع، لم يجب.
فقط استمر في النظر إليها بتلك العيون الداكنة الغريبة.
ثم أغلقهما، ونام.
في بيت زينب المتواضع، أشعلت ناراً صغيرة في الموقد.
الدفء بدأ يملأ الغرفة البسيطة.
وضعت الطفل على فراشها، لفته بكل الأغطية الصوفية التي تملكها.
جلست بجانبه، تنظر إليه.
"تحتاج اسماً."
فكرت.
تذكرت كريم، زوج ليلى الميت. رجل طيب. كان يعمل بجد رغم الفقر. كان يحب زوجته. كان يحلم بطفل.
مات قبل أن يرى ابنه.
"كان كريم يريد... إذا كان الطفل ولداً... أن يسميه سعد."
أومأت لنفسها.
"سعد. نعم. اسم جميل."
نظرت إلى الطفل إلى سعد "ولدت في الظلام، يا سعد. في أسوأ الظروف. بلا أب ليحميك، ولا أم لتحضنك."
مسحت جبينه بأصابعها العجوز الخشنة.
"لكنك حي. وهذا يعني أن عليك أن تقاتل. أن تعيش. أن تثبت أن ولادتك لم تكن عبثاً."
الطفل نام بعمق، منهك من الرحلة القاسية من العدم إلى الوجود.
زينب بقيت مستيقظة بجانبه طوال الليل.
تراقبه. تتأكد أنه يتنفس. تحميه من البرد.
وفي تلك الليلة، في ذلك البيت المتواضع، في تلك القرية القاسية...
بدأ سعد حياته.
حياة بدأت بالموت والظلام والوحدة.
لكنها كانت حياة.
وفي يوم ما...
سيثبت هذا اليتيم الصغير...
أن من وُلد في الظلام...
يمكنه أن يصبح أذكى ممن وُلد في النور.

[نهاية الفصل الثاني]

في نفس اليوم، في قريتين مخ تلفتين...
وُلد طفلان.
واحد في بيت الشرف، محاط بالحب والدفء.
والآخر في كوخ متهالك، وحيداً في الظلام.
لا يعرف أحدهما عن الآخر شيئاً.

لكن مصيريهما... متشابكان بطريقة لا يستطيع أحد تخيلها.
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

أيمن كناني

وتشاءُ أنت من الأماني نجمةً ويشاء ربّكَ أن يُناولك القمر .
إنضم
17 مارس 2020
رقم العضوية
10845
المشاركات
7,725
الحلول
1
مستوى التفاعل
32,107
النقاط
1,202
أوسمتــي
11
العمر
25
توناتي
610
الجنس
ذكر
LV
2
 
الفصل الثالث :
العنوان : أولى الخطوات في عالمين

من السنة الأولى حتى الثالثة من العمر
كانت قمرية لا تمشي.
كانت تركض.
في اليوم الذي اتخذت فيه خطوتها الأولى وهي في عمر عشرة أشهر فقط، قبل أن يتوقع أحد ذلك لم تتعلم المشي كما يتعلمه سائر الأطفال: خطوةٌ متعثرة، ثم توقف، ثم سقوط، ثم بكاء، ثم محاولة أخرى في دوامة لا تنتهي.
قمرية وقفت. نظرت أمامها. تأمّلت للحظة كأنها تقيس المسافة بعينيها الصغيرتين البنيتين. ثم مشت. سبع خطوات متتالية دون أن تتعثر.
ثم سقطت. لكنها لم تبكِ.
نظرت إلى يديها اللتين اتكأت عليهما، وتأمّلتهما لحظة، ثم وقفت ومشت من جديد.
حارث كان جالساً في قاعة الاستقبال يراجع حسابات القرية، حين سمع صوت ضحكة نورة المفاجئة تنحدر من الطابق العلوي.
ألقى الأوراق وركض.
وجد زوجته جالسةً على السجادة الملونة، فمها مفتوح من الدهشة، وأمامها تسير نحوها قمرية الصغيرة بخطوات ثابتة كأنها تفعل هذا منذ أشهر.
قالت نورة وصوتها يرتجف من الفرحة: "حارث... إنها تمشي. تمشي وحدها!"
لم يقل حارث شيئاً. جثا على ركبتيه ببطء، فتح ذراعيه، ونظر إلى ابنته.
توقفت قمرية. رأت أباها. رأت ذراعيه المفتوحتين.
ابتسمت.
ثم أسرعت نحوه أسرعت ولم تمشِ واندفعت في صدره.
أمسكها حارث، وضحك ضحكةً عالية ملأت الغرفة كلها، وكان في ضحكته شيء لم يكن فيه من قبل.
شيء يشبه اكتمال الحياة.
في القرية الأخرى، في البيت الصغير لزينب العجوز، لم يمشِ سعد مبكراً.
لكنه تكلّم.
في عمر ثمانية أشهر، قال كلمته الأولى.
لم تكن أمي أو ماء أو أي كلمة يقولها الأطفال في بداياتهم.
كانت: لماذا؟
كانت زينب تحدّثه كما اعتادت كل يوم، تشرح له كيف تُشعل النار في الموقد.
قالت له: "نضع الحجارة هنا، والحطب فوقها، ثم نُشعل الشرارة، وهكذا تشتعل النار وتدفئنا يا سعد."
والطفل ثمانية أشهر، لم يستطع حتى الجلوس وحده بعد نظر إليها بعينيه الداكنتين، ثم فتح فمه الصغير وقال بصوت خافت غير مكتمل، لكن لا لبس في معناه:
"لماذا؟"
توقفت زينب في منتصف حركتها.
أمسكت بالحطبة التي كانت في يدها، وأدارت رأسها ببطء نحو الطفل.
نظرت إليه. نظر إليها.
سألته: "ماذا قلت؟"
لم يُجب. استمر في النظر إليها بتلك العيون التي تبدو دائماً أكبر من سنّه بكثير.
تركت زينب الحطبة، وجلست أمامه مباشرة. ربّتت على صدرها بيدها العجوز المتجعدة.
"لا... لا يمكن أن يكون قال ذلك. أنا متعبة فحسب. الأطفال في هذا العمر لا يتكلمون."
لكنها بقيت مستيقظة تلك الليلة وهي تفكر.
وفي صباح اليوم التالي، أشعلت النار من جديد، ونظرت إليه.
فقال مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أكبر:
"لماذا؟"
همست زينب لنفسها: "من أنت أيها الطفل العجيب؟" وفي عينيها شيء يجمع بين الخوف والإعجاب في آن واحد.
مرّت الأشهر.
وفي ذات النخيل، نمت قمرية ونمت معها شخصيتها.
في عمر السنة والنصف، كانت تجلس في حضن أبيها حين يستقبل أهل القرية. كان حارث يظن أنها لا تفهم شيئاً مجرد طفلة صغيرة تُحب الجلوس مع أبيها. لكن نورة لاحظت شيئاً مختلفاً:
قمرية كانت تنظر إلى وجوه الناس. بتركيز شديد. كأنها تقرأ شيئاً لا يراه غيرها.
يوماً جاء رجل يشكو جاره، ويدّعي أن الجار سرق ماعزه. استمع حارث وفكّر. وقمرية سنة وسبعة أشهر نظرت إلى الرجل الشاكي. ثم شدّت ثوب أبيها فجأة بيدها الصغيرة.
نظر إليها حارث قلقاً. لكنها لم تنظر إليه. كانت تنظر إلى المتّهم الجار الذي وقف صامتاً في الزاوية بوجه هادئ، ربما هادئ أكثر مما ينبغي.
دفعه شيء ما في نظرة ابنته إلى تغيير مسار تحقيقه. سأل أسئلةً أعمق. وفي النهاية اكتشف أن الرجل الشاكي هو الكاذب كان يطمع في أرض جاره لا في ماعزه.
بعد انتهاء المجلس، حمل حارث ابنته ونظر في عينيها.
قال لها: "رأيتِ شيئاً، أليس كذلك؟"
ابتسمت قمرية ابتسامةً عريضة وضربت خدّه بيدها الصغيرة كما يفعل الأطفال حين لا تكفيهم الكلمات.
لكن حارث بقي يفكر طويلاً بعد ذلك.
في وادي الحج، كان سعد يتعلم بطريقة مختلفة تماماً.
لم تكن عنده كتب. ولم يكن عنده معلم. ولم يكن عنده حتى ما يلعب به.
لكن كان عنده شيء واحد: زينب. وزينب كانت تحمل في عقلها وقلبها تجارب سبعين عاماً من الحياة.
كانت تحكي له طوال اليوم حكايات القرية، وتاريخ الأجداد، وأساطير الآلهة القديمة، وقصص الحروب والسلام، وحكمة الأعشاب والطب، وطرق الزراعة والبناء. وكان سعد يستمع بعيون مفتوحة على آخرها، يلتهم الكلام كما يلتهم الجائع الطعام.
أما اليوم الذي أدركت فيه زينب يقيناً أن سعد ليس طفلاً عادياً بأي معنى، فقد كان حين بلغ قرابة السنتين. > اصول الفقه: كانت تحكي له قصةً سمعها منذ أسابيع قصة ملك عادل وملك ظالم —فلما بلغت منتصفها توقفت لأنها نسيت تفصيلةً صغيرة.
قالت نصف مازحة: "وبعدها... فعل الملك... آه، لقد نسيت. ماذا فعل الملك يا سعد؟"
لكن سعد نظر إليها وقال بلغة طفل صغير، في معنى واضح لا غموض فيه:
"الملك بنى جسراً كي يعبر الفقراء. والملك الآخر أحرقه."
توقف قلب زينب.
ذلك الجسر. تلك التفصيلة الصغيرة في منتصف حكاية طويلة، ذُكرت مرةً واحدة قبل ثلاثة أسابيع.
والطفل حفظها.
جلست ببطء. نظرت إلى وجهه. وجه طفل: خدود ممتلئة، وأسنان صغيرة، وشعر فاحم قصير. طفل عادي في كل شيء.
إلا العيون.
تلك العيون الداكنة التي لا تشبه عيون الأطفال أبداً.
سألته: "سعد... من أين جئت؟"
فابتسم لها ابتسامةً طفوليةً براقة، ومدّ يده نحو طبق التمر.
قال لها: "أريد تمرة."
ضحكت زينب رغم نفسها، ومدّت له تمرة.
"طفل عبقري يطلب تمرة. هذا العالم عجيب حقاً."
كانت قمرية في عمر السنتين وبضعة أشهر حين أفلتت من يد نورة في السوق.
لم تقلق نورة في البداية السوق آمن، والقرية صغيرة، والجميع يعرف الجميع. لكن حين مرّت دقيقتان دون أن تجدها، بدأ قلبها يخفق بسرعة.
وجدتها أخيراً.
كانت جالسةً أمام دكان الخبّاز العجوز رجل مسن وحيد لا يجلس معه أحد لأنه صعب المراس قليل الكلام وكانت تجلس أمامه مباشرةً على الأرض الترابية.
تنظر إليه فحسب.
نظر إليها الخبّاز بحيرة في البداية. ثم ولا أحد يعرف لماذا بدأ يتكلم. يحكي. عن زوجته التي فارقته قبل عشر سنوات. عن ابنه الذي رحل ولم يعد. عن الوحدة التي تشبه البيت الخالي من كل صوت.
وكانت قمرية تستمع. وجهها الصغير جادّ. وعيناها مثبّتتان عليه.
حين وصلت نورة، اقتربت ببطء دون أن تقطع المشهد.
ولما انتهى الخبّاز من كلامه ووجهه أخفّ مما كان، كأن عبئاً انزاح عن صدره نظر إلى قمرية وقال بصوت خشن:
"أنتِ طفلة غريبة."
فابتسمت قمرية. ومدّت يدها الصغيرة ووضعتها فوق يد الرجل الكبيرة العجوز.
نظر الخبّاز إلى تلك اليد الصغيرة الناعمة تعلو يده المتجعدة.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، ابتسم.
في طريق العودة، سألت نورة ابنتها التي تحملها على صدرها:
"لماذا جلستِ معه يا قمرية؟"
أجابت قمرية بكلمات قصيرة كما يتكلم الأطفال في سنها، غير أن معناها كان واضحاً تماماً:
"كان حزيناً. ولم يكن أحد بجانبه."
توقفت نورة في منتصف الطريق.
"كيف أبصرتِ ذلك يا صغيرتي؟ كيف رأيتِ ما يعجز عنه الكبار؟"
في عمر السنتين والنصف، قامت زينب بإصطحاب سعد إلى السوق الأسبوعي الصغير. كان السوق مزدحماً بالضوضاء والحيوانات وأصوات التجار، وجلس سعد في حضن زينب يُطيل النظر.
ثم لاحظ شيئاً.
في الزاوية البعيدة، كان تاجر ضخم يبيع القمح ويزنه للمشترين. لكن سعد أدرك أن التاجر كان يضع إصبعه خِفيةً على كفة الميزان حين يزن للفقراء، ثم يرفعها حين يزن للأغنياء.
أمر صغير لا يكاد يُرى. لا يلتفت إليه أحد.
إلا سعد.
أمسك بإصبعي زينب وشدّها. فنظرت إليه.
قالت: "ماذا يا سعد؟"
أشار بإصبعه الصغيرة نحو التاجر.
قال: "إنه يضع إصبعه في الميزان."
قالت: "ماذا تعني؟"
قال: "يضع إصبعه. الميزان غير عادل."
أدقّت زينب النظر مرةً ومرتين وثلاثاً.
ثم رأته.
تلك الإصبع. الخفية. فوق كفة الميزان.
انفتح فمها.
نظرت إلى سعد. طفل في الثانية والنصف. كيف أبصر ذلك من مسافة بعيدة؟ وكيف أدرك ما يجري؟
ذهبت زينب إلى التاجر وواجهته أمام الملأ. تجمّع الناس. أنكر التاجر في البداية. لكن حين شرحت زينب ما رآه، وتحقق منه عدد من الرجال، انكشفت الحقيقة للجميع.
نال التاجر عقابه. وأُعيد القمح إلى أصحابه.
في طريق العودة، وسعد على ظهرها لأن قدميه تعبتا من المشي، التفتت إليه زينب من فوق كتفها.
سألته: "كيف رأيت ذلك يا سعد؟"
فكّر الطفل لحظة. ثم قال بجدية لا تناسب عمره:
"لأنني كنت أنظر."
لم تنم زينب تلك الليلة.
كانت تتأمل هذه الكلمة البسيطة. الفارق بين سعد وبقية الناس لم يكن في الذكاء وحده، بل في أنه لا يتوقف عن النظر إلى الدنيا كما هي، لا كما يريد الناس أن يروها.
سعد كان يرى ما هو موجود فعلاً.
الشتاء الأول الذي تذكرته قمرية.
في شتاء بارد نزل فيه المطر بغزارة لم تشهدها القرية منذ سنوات، تجمّعت الأسرة حول الموقد الحجري الكبير. كان حارث يقرأ، ونورة تغزل، وعادل يلعب بجنوده الخشبية الصغيرة، وسلمى نائمة.
وكانت قمرية جالسةً بين والديها تنظر إلى النار.
ثم قالت فجأة، دون مقدمة، كما يفعل الأطفال حين تُباغتهم فكرة:
"يا أبي، لماذا يبكي الناس؟"
رفع حارث عينيه من الكتاب.
قال: "ماذا تقصدين؟"
قالت: "الناس الذين يأتون إليك. بعضهم يبكي. لماذا؟"
أغلق حارث كتابه. ونظر إلى ابنته بجدية حقيقية.
قال: "لأنهم يألمون. أو يخافون. أو يشعرون بالظلم. يبكي الناس حين لا يجدون طريقةً أخرى يُعبّرون بها عمّا يختلج في صدورهم."
قالت: "وحين تستمع إليهم... هل تستطيع مساعدتهم؟"
قال: "أحياناً. وأحياناً لا أستطيع. لكنني أحاول دائماً."
قالت: "وهل أستطيع أنا أيضاً؟"
ابتسم حارث ابتسامةً عريضة.
قال: "أنتِ تفعلين ذلك بالفعل يا قمرية. منذ اليوم الذي وُلدتِ فيه."
لم تفهم قمرية مقصد أبيها تماماً. لكنها نظرت إلى النار وأومأت بجدية طفولية تجمع بين المضحك والمؤثر.
قالت: "حسناً. سأواصل."
ضحكت نورة بهدوء وهي تغزل.
ابنتها في عمر السنتين والنصف تُقرّر أن تواصل مهمة مساعدة الناس. كأنها تذكّرت فريضةً أُسندت إليها منذ الأزل ونسيتها لحظة.
ذلك الشتاء نفسه. في وادي الحجر.
لم يكن المطر الغزير رحمةً على هذه القرية الفقيرة.
كان فيضاناً.
فاض النهر الصغير. وبدأت الأكواخ الطينية تنهار واحداً بعد الآخر. وعائلات بلا مأوى في ليلة بالغة البرودة. والصراخ في كل مكان، والناس يتخبّطون دون أن يعرف أحد ماذا يفعل.
خرجت زينب بسعد على ظهرها تُساعد من تستطيع. وعلّمت الشبان كيف يدعّمون الجدران، وأين يضعون الأكياس الترابية. وسعد فوق ظهرها يُمعن النظر في كل اتجاه.
في منتصف الليل، وسط الفوضى والأصوات، لاحظ سعد شيئاً:
الماء كان يتجمع في جانب واحد من القرية أكثر من الآخر، ويسير في اتجاه محدد. وإذا فُتح له مسلك نحو الجهة الجنوبية نحو الأرض المنخفضة خارج القرية فإنه سينصرف من تلقاء نفسه، بدل أن يُكمل هدم الأكواخ.
لكن كيف يشرح هذا طفل في الثانية والنصف؟
التقط غصناً ملقى على الأرض، وبدأ يرسم في الطين. خطوط. اتجاهات. أسهم تدل على المسار.
ثم شدّ ثوب زينب وأراها ما رسم.
نظرت زينب إلى الرسم، ثم رفعت بصرها إلى الأمام، ثم عادت إلى الرسم، ثم نظرت مجدداً.
وفجأة فهمت.
صرخت في الرجال:
"نحو الجنوب! احفروا خندقاً نحو الجنوب! الماء سيتبع الانحدار وينصرف!"
نظر الرجال إليها في حيرة. لكن مزارعاً عجوزاً يعرف طبيعة الأرض أدرك الفكرة في الحال. وبدأوا يحفرون.
ونجح الخندق.
انصرف الماء. ولم ينهار كوخ آخر في تلك الليلة.
في الصباح، حين سأل أهل القرية عن صاحب الفكرة، أجابت زينب ببساطة:
"الأرض نفسها أخبرتنا."
ولم تذكر سعد.
لأنها لم تكن واثقةً أن أحداً سيُصدّق أن طفلاً في الثانية والنصف رسم خطة الإنقاذ في الوحل.
بل لم تكن هي نفسها تُصدّق تماماً ما رأت.
حين بلغت قمرية الثلاث سنوات، أهداها أبوها هديةً لم تتوقعها.
لم تكن لعبة. ولا ثوباً جميلاً.
أهداها وقتاً.
كل صباح، قبل أن تبدأ أعباء القيادة، كان حارث يأخذها في جولة قصيرة في أرجاء القرية. يمشيان معاً ويتحدثان. أو بالأصح كان حارث يتحدث، وقمرية تستمع وتسأل.
وكانت أسئلتها غريبةً لطفلة في الثالثة من عمرها:
"يا أبي، الرجل الذي مررنا به أمس لماذا لا ينظر في عيون الناس؟"
"يا أبي، لماذا لا تجلس النساء في مجلسك؟"
"يا أبي، إذا كان الجميع يحب القرية، فلماذا يتشاجرون؟"
كان حارث في البداية يُجيبها بإجابات مبسّطة كما يفعل الآباء مع صغارهم. لكنه اكتشف سريعاً أن قمرية لا تقبل ذلك. كانت تنظر إليه بعيون تقول بوضوح: أعرف أنك تُبسّط. أخبرني الحقيقة.
فأخذ يُكلّمها كما يُكلّم البالغين.
يوم سألته عن النساء في المجلس، جلس على حجر بجانب الطريق وأجلسها في حضنه.
قال لها: "لأن الناس اعتادوا هذا منذ زمن بعيد. والعادات يصعب تغييرها."
قالت: "لكن هل هو صواب؟"
صمت حارث لحظة طويلة.
قال: "لا. ليس صواباً تماماً."
قالت: "إذن لماذا لا تُغيّره؟"
نظر حارث إلى ابنته. ثلاث سنوات. تسأله لماذا لا يُغيّر عادات متجذرة منذ أجيال.
قال: "لأن تغيير الناس يحتاج وقتاً. وحكمةً. وصبراً طويلاً جداً."
قالت: "حسناً. سأصبر."
لم يُجب حارث.
لكنه أمسك يدها الصغيرة وهما يُكملان المشي، وشعر بشيء في صدره لم يستطع تسميته.
شيء يشبه اليقين بأن هذه الطفلة ستصبر فعلاً. وستُغيّر فعلاً. وأن العالم لم يكن يعلم بعد ما الذي تحمله هاتان اليدان الصغيرتان.
في ذلك الوقت نفسه، في وادي الحجر:
جلس سعد في عمر الثلاث سنوات أمام موقد زينب في ليلة صافية، وطلب منها شيئاً لم تتوقعه:
"علّميني أسماء النجوم."
نظرت إليه زينب. ثم رفعت بصرها إلى السماء. ثم ابتسمت.
قالت: "لماذا النجوم تحديداً؟"
قال: "لأنها لا تكذب."
توقفت زينب.
قالت: "ماذا تعني؟"

قال: "الناس يكذبون. التاجر كذب بميزانه. أما النجوم فهي دائماً في مكانها. لا تتغير. لا تكذب."
جلست زينب ببطء على حجر أمام الباب، وأجلسته في حضنها، ورفعت وجهها نحو السماء.
نظرت إلى هذا الطفل الذي رأى في ثلاث سنوات من الكذب ما يكفيه ليلجأ إلى النجوم بحثاً عن شيء ثابت لا يتبدّل.
أخذت نَفَساً عميقاً.
قالت: "حسناً يا سعد. سأعلّمك النجوم."
ومدّت يدها نحو السماء وبدأت تُشير إليها واحداً واحداً.
قالت: "هذا... اسمه المِرزَم. وذاك... الشِّعرى. وهذه المجموعة هنا... يُقال لها الجبّار."
وكان سعد يتابع بعينيه كل إصبع تُشير، يحفظ كل اسم، ويُرسّخ كل نجمة في موضعها الصحيح داخل عقله الصغير.
كأنه يرسم خريطة.
كأنه يبني نظاماً.
كأنه يتمسّك بحقيقة لا تتزعزع.

وفي تلك الليلة، تحت سماء وادي الحجر الصافية، جلس طفل يتيم في حضن عجوز وتعلّم أن في هذا العالم أشياء لا تكذب.
وقرّر في نفسه أن يجعل من نفسه واحداً منها.
في ذات النخيل، نامت قمرية وهي تحلم بيد رجل عجوز ودفء موقد أبيها.
وفي «وادي الحجر، نام سعد وعيناه ما زالتا مفتوحتين قليلاً، كأنه لا يريد أن يفقد النجوم حتى في نومه.
طفلان في قريتين لا تعرف إحداهما عن الأخرى شيئاً.
لكن الكون الذي لا يكذب مثل النجوم كان يُعدّ خيوطاً لا يراها أحد بعد.

[نهاية الفصل الثالث]

 

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل