الختم الفضي قصة رجلٍ بدأ رضيعًا في صندوق، وانتهى قائدًا غيّر أمةً بأكملها | قصة كليم الله النبي موسى | (1 زائر)


إنضم
22 يناير 2026
رقم العضوية
15108
المشاركات
11
مستوى التفاعل
22
النقاط
2
العمر
36
توناتي
145
الجنس
ذكر
LV
0
 
at_171637627978684.gif

YAFA




بسم الله الرحمن الرحيم

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف (111).

اخوتي في الله سأسرد لكم قصة من قصص القرآن تروي عن التوكل واليقين بالله
قصة نبي الله موسى "كليم الله"

لنتوكل وعلى بركة الله نبدأ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


في زمنٍ كانت فيه الأرضُ تئنُّ تحت وقع السياط، وتختنقُ بالظلم، كان الطغيان قد بلغ ذروته. جلس فرعون على عرشه، تحفُّ به الزينة والجنود، يزعم لنفسه ما ليس لبشرٍ أن يزعم. كانت مصر تئنّ، وكان بنو إسرائيل يعيشون تحت سوط الاستعباد، يُقتَّل أبناؤهم وتُستحيا نساؤهم.

وفي تلك العتمة، وُلد نور.

كان المولود طفلًا صغيرًا، لا يعلم أن القدر يخبئ له رسالة تهزّ عروش الملوك. كان اسمه موسى.



الفصل الأول: من صندوقٍ في نهر … إلى وعدٌ من السماء


كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل عامًا بعد عام، خوفًا من غلامٍ قيل إنه سيُسقط عرشه بعد رؤيا أو خبرٌ وصله من الكهنة أن غلامًا من بني إسرائيل سيكون سبب زوال ملكه، فزاد في قتل الأطفال.
وفي ليلةٍ يسكنها الرعب، ضمّت أمُّ موسى طفلها إلى صدرها، والقلقُ يأكل قلبها.

لكن السماء همست إليها بوحيٍ من الطمأنينة:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ… فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (القصص: 7)
لكنها لم تُلقِه إلى الغرق… بل ألقته إلى وعد الله.

جَرَى الصندوق فوق نهر النيل، حتى وصل إلى قصر الطاغية نفسه.
وهناك، شاء الله أن تكون الرحمة في قلب امرأةٍ مؤمنةزوحة فرعون: آسية بنت مزاحم.

قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ (القصص: 9)

وهكذا، تربّى موسى في بيت عدوّه…


الفصل الثاني: ضربةٌ غيّرت الطريق …

كبر موسى قويًّا، شجاعًا، وفي قلبه غيرةٌ على المظلومين.
دخل المدينة يومًا، فوجد رجلًا من قومه يستغيث به. دفع موسى المعتدي دفعةً واحدة، لكنها كانت أقوى مما ظن…

﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ (القصص: 15)

ارتجف قلبه. لم يكن قاتلًا… لكنه صار مطاردًا.
رفع يديه إلى السماء:

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (القصص: 16)

فغفر الله له.
لكنه اضطر أن يخرج، وحيدًا، خائفًا، لا زاد له إلا التوكل:

﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: 21)


الفصل الثالث: في مدين… سنوات الصمت والبناء

وصل إلى أرض مدين، متعبًا جائعًا.
رأى امرأتين تمنعان غنمهما عن السقيا، فسقى لهما دون أن ينتظر شكرًا.

ثم جلس في الظل يناجي ربه:

﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (القصص: 24)

دعاه والد الفتاتين، زوّجه إحدى ابنتيه، ومكث سنواتٍ يرعى الغنم.

وعلى قول كثير من اهل العلم ان والد الفتاتين كان نبي الله شعيب.

كانت تلك السنوات إعدادًا هادئًا لقائدٍ سيواجه أعظم طاغية.


الفصل الرابع: النداء عند الطور

عاد موسى إلى مصر بعد انقضاء الأجل.
وفي ليلةٍ باردة، رأى نارًا تلوح من جانب طور سيناء.

اقترب… فإذا بالكون كله يصمت.

﴿يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه: 11–12)

هناك، في ذلك الوادي المقدس، كُلّم موسى تكليمًا:

﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ (النساء: 164)

ارتجف الجبل، واطمأن القلب.
أُعطي العصا التي تتحول حيّة، واليد التي تضيء كالقمر.
وطلب من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون.

بدأت الرسالة.


الفصل الخامس: في قصر الطغيان

دخل موسى على فرعون، الذي قال بملء الغرور:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾ (النازعات: 24)

وقف موسى ثابتًا. لا جيش معه، ولا سلاح… إلا اليقين.

جمع فرعون السحرة، وزُيّنت الساحة.
أُلقيت الحبال، فخيّل للناس أنها تسعى.

ثم ألقى موسى عصاه…

﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: 117)

سقط السحرة ساجدين.
آمنوا في لحظة، لأنهم عرفوا أن هذا ليس سحرًا… بل نور.


الفصل السادس: اللحظة الفاصلة

اشتد بطش فرعون.
فأوحى الله إلى موسى أن يخرج بقومه ليلًا.

تبِعهم فرعون بجيشه حتى أدركهم عند البحر.
صرخ القوم:

﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: 61)

لكن موسى، في قمة اليقين، قال:

﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62)

ضرب البحر بعصاه.
فانشقّ الماء، وصار كلُّ جانبٍ كالجبل العظيم.

عبر المؤمنون.
دخل الطاغية وراءهم…
ثم عاد البحر كما كان.

﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الشعراء: 66)

وفي اللحظة الأخيرة، صرخ فرعون بالإيمان… لكن بعد فوات الأوان.


ابتلاء العجل

واعد الله موسى أربعين ليلة.
لكن قومه لم يصبروا. صنع لهم السامري عجلًا له خوار.

عاد موسى، غاضبًا حزينًا، وألقى الألواح من شدة الألم.

لم يكن غضبه لنفسه… بل لأنهم خانوا العهد سريعًا.


رحلة العلم والصبر

قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل، فسُئل: من أعلم الناس؟
فقال: أنا.
فأوحى الله إليه أن هناك عبدًا أعلم منه في بعض الأمور.

فقال موسى:

﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾
(الكهف: 60)

وانطلق مع فتاه يوشع بن نون، حتى فقدا الحوت الذي كان علامة اللقاء:

﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾
(الكهف: 61)

فعادا إلى المكان، فوجد العبد الصالح.
طلب التعلّم

قال موسى بأدبٍ وتواضع:

﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾
(الكهف: 66)

فأجابه العبد الصالح:

﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾
(الكهف: 67)

واشترط عليه ألا يسأله حتى يبيّن له.


الحدث الأول: خرق السفينة

ركبا سفينة لقومٍ فقراء أحسنوا إليهما بلا أجر.
وفجأة… قام العبد الصالح فخرقها!

اعترض موسى:

﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾
(الكهف: 71)

فذكّره بالشرط.

وفي النهاية كشف الحكمة:

﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ… فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾
(الكهف: 79)

كان الخرق رحمةً، لا إفسادًا.

الحدث الثاني: قتل الغلام

ثم لقيا غلامًا، فقتله العبد الصالح.

فاشتد اعتراض موسى:

﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾
(الكهف: 74)

وكان الجواب:

﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
(الكهف: 80)

فكان في موته رحمةً بأبويه.

الحدث الثالث: إقامة الجدار

ثم وصلا إلى قريةٍ رفض أهلها إكرامهما، ومع ذلك أقام العبد الصالح جدارًا كان على وشك السقوط.

تعجب موسى:

﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾
(الكهف: 77)

وهنا جاء الفراق.

وكشف السر:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ… وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾
(الكهف: 82)

حُفظ كنزهما بسبب صلاح أبيهما.

السفينة قد تُخرق لتنجو

والغلام قد يُقبض ليُرحم

والجدار قد يُقام بلا مقابل ليُحفظ حقّ يتيم

ليست كل خسارة شرًا،
وليست كل عطية خيرًا ظاهرًا.


النهاية… ورسالة الخلود


قاد موسى قومه سنين طويلة في التيه.
صبر على جدالهم، وضعفهم، ونقضهم للعهود.

كان قويًّا حين يحتاج الموقف قوة،
رحيمًا حين يحتاج رحمة،
متضرعًا حين يشتد البلاء.

رحل موسى… لكن قصته بقيت.
بقيت لتقول لكل مظلوم: لا تيأس.
ولكل طاغية: إن البحر ينتظر.

إنها قصة رجلٍ بدأ رضيعًا في صندوق،
وانتهى قائدًا غيّر أمةً بأكملها.

قصة يقينٍ لا يهتز، ووعدٍ لا يخلف، وربٍّ إذا قال للشيء كن… كان.

ان أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك

لقد تم اخذ القصة من قصص الأنبياء في اليوتيوب من اكثر من قناة / وبعض المواضيع من الإنترنت وتمت اختصارها وتعدليها وكتابتها بطريقتي.
وتم اخذ ارقام الآيات من قوقل.
~ للأسف حاولت ارتب الموضوع ببنرات وفواصل ولكن للأسف لاخبرة لي فأعذروني ~
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

إنضم
14 أغسطس 2019
رقم العضوية
10264
المشاركات
5,368
الحلول
1
مستوى التفاعل
15,177
النقاط
1,796
أوسمتــي
38
العمر
50
الإقامة
الاردن
توناتي
11,980
الجنس
ذكر
LV
9
 
at_176723338246522.gif

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف الحال اخي اتمنا تكون بصحه وعافيه وما تشتكي من شئ ق1 و3
أول شئ جزاك الله خيرا على هذه المعلومات الدينية قصة النبي موسى عليه السلام تظل من أعظم القصص
لكن تمنيت لو انك اشتغلت اكثر على المحتوى يعني كان ينقصه تصميم طقم لكن المحتوى جميل جدا اعجبني
قصة كليم الله النبي موسى عليه السلام لقد أحسنت في اختيار القصة وأجدت في إبراز معاني التوكل واليقين
وربط الأحداث بآياتها فجاءت الكلمات نابضة بالإيمان وكأن القارئ يعيش القصه لحظة بلحظة وسردك تصاعدي
ومؤثر ويحفز القارئ على التأمل في حكمة الله أبدعت في تصوير التحول العجيب في قصة النبي موسى عليه السلام
في البدايه رضيع يلقى في صندوق فوق الماء وأم النبي يعتصر قلبها من الخوف ولكن الله ثبتها حين قال (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ)
قصة موسى عليه السلام ليست فقط حكاية تاريخية بل رسالة متجددة لكل انسان يمر بابتلاء أو يشعر بالضياع
أسلوبك كان متسلسلًا مشوّقا ومليئا بالمشاعر الصادقة مما جعل القراءة ممتعة وذات أثر عميق في النفس
شكرا لك على هذا الجهد الراقي وعلى اختيارك لموضوع يحمل كل هذا المعنى والقيمة
بانتظار المزيد من إبداعاتك
في امان الله وحفظه
 
التعديل الأخير بواسطة المشرف:

إنضم
22 يناير 2026
رقم العضوية
15108
المشاركات
11
مستوى التفاعل
22
النقاط
2
العمر
36
توناتي
145
الجنس
ذكر
LV
0
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف الحال اخي اتمنا تكون بصحه وعافيه وما تشتكي من شئ ق1 و3
أول شئ جزاك الله خيرا على هذه المعلومات الدينية قصة النبي موسى عليه السلام تظل من أعظم القصص
لكن تمنيت لو انك اشتغلت اكثر على المحتوى يعني كان ينقصه تصميم طقم لكن المحتوى جميل جدا اعجبني
قصة كليم الله النبي موسى عليه السلام لقد أحسنت في اختيار القصة وأجدت في إبراز معاني التوكل واليقين
وربط الأحداث بآياتها فجاءت الكلمات نابضة بالإيمان وكأن القارئ يعيش القصه لحظة بلحظة وسردك تصاعدي
ومؤثر ويحفز القارئ على التأمل في حكمة الله أبدعت في تصوير التحول العجيب في قصة النبي موسى عليه السلام
في البدايه رضيع يلقى في صندوق فوق الماء وأم النبي يعتصر قلبها من الخوف ولكن الله ثبتها حين قال (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ)
قصة موسى عليه السلام ليست فقط حكاية تاريخية بل رسالة متجددة لكل انسان يمر بابتلاء أو يشعر بالضياع
أسلوبك كان متسلسلًا مشوّقا ومليئا بالمشاعر الصادقة مما جعل القراءة ممتعة وذات أثر عميق في النفس
شكرا لك على هذا الجهد الراقي وعلى اختيارك لموضوع يحمل كل هذا المعنى والقيمة
بانتظار المزيد من إبداعاتك
في امان الله وحفظه​
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اعرف انه الموضوع ينقصه تصميم وبنر و و و لكن للاسف لا علم لي في التصميم باذن الله في المرات القادمة
 

إنضم
7 نوفمبر 2025
رقم العضوية
14923
المشاركات
129
مستوى التفاعل
122
النقاط
68
الإقامة
In the world
توناتي
285
الجنس
ذكر
LV
0
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.. أما بعد؛

حيّاك الله يا أخي الكريم، وحيّى الله هذا القلم الذي لا ينطق إلا بالحق والجمال، وحيّى الله هذه الروح الإيمانية التي أخذتنا في رحلة غمرت الوجدان والروح بعبق النبوة وعظمة التنزيل. لقد وقفتُ طويلاً أمام سردك المتقن لقصة كليم الله موسى عليه السلام، فوجدتني لا أقرأ مجرد قصة تاريخية، بل أقرأ دستوراً للحياة، ومنهاجاً للصبر، ومنارة لليقين في أحلك الظروف وأصعب الأزمات. إن ما سطرته يداك هنا ليس مجرد "موضوع منتدى" عابر، بل هو "تذكرة" و"عبرة" تلامس كل قلب يشعر بالضيق، وكل نفس تبحث عن مرسى للأمان وسط أمواج الفتن والابتلاءات التي لا تنتهي.

اسمح لي يا أخي، ولأن الموضوع ذو شجون ويمس صميم "العاطفة واليقين" التي كنا نتناقش فيها، أن أفيض في التعقيب على هذا الطرح النوراني، فقد فتحتَ في قلبي أبواباً من التدبر لا تغلق بكلمات يسيرة، بل تحتاج إلى وقفات طويلة تتأمل هذا الإعجاز القرآني الذي سُقته إلينا بلغة عربية رصينة وأسلوب سردي مشوق جعلنا نعيش الفصول وكأننا نرى الصندوق وهو يطفو، ونسمع نداء الوادي المقدس، ونبصر انفلاق البحر العظيم.

إن أول ما يستوقف المتأمل في قصة موسى عليه السلام، كما تفضلتَ في "الفصل الأول"، هو تلك المعادلة العاطفية المذهلة التي عاشتها أم موسى؛ فالعاطفة هنا ليست مجرد شعور بشري بالخوف، بل هي عاطفة "مؤطرة بالوحي". تخيل معي قلب أم يُطلب منها أن تُلقي رضيعها في النهر لكي تنجو به! إنه منطق "الغيب" الذي يصطدم بمنطق "المادة". وهنا نجد الإجابة على سؤال العاطفة الذي طرحناه سابقاً؛ فالمرأة حين يمتزج حنانها الفطري بيقينها الرباني، تصنع المعجزات. أم موسى لم تكن "جامدة" بل كان قلبها فارغاً من كل شيء إلا من الهم بموسى، حتى ربط الله على قلبها. وهذا هو الفرق الجوهري بين العاطفة التي "تهدم" صاحبها بالقلق، والعاطفة التي "تبني" بالثقة في وعد الله. إن وصول الصندوق إلى بيت فرعون بالذات هو قمة السخرية الإلهية من كيد البشر؛ فالله الذي يحفظ، يحفظ العبد في عقر دار عدوه، لتتعلم البشرية أن الأمان ليس في الحصون ولا في الحرس، بل في "معية الله" وحده.

ثم تأتي "الضربة التي غيرت الطريق" في مدين، لنتعلم منها درساً في "عاطفة العدل". موسى عليه السلام لم يكن يهدف للقتل، بل كانت غيرته على المظلوم هي المحرك، وهنا يبرز لنا الجانب الإنساني في شخصية الأنبياء؛ فهم بشر يخطئون ويستغفرون ويتألمون. خروجه وحيداً طريداً من مصر إلى مدين هو أعظم تدريب على "التجرد"؛ فمن تربى في القصور الملكية كأمير، يجد نفسه الآن يسقي لفتاتين غريبتين في أرض قفر، ثم يجلس في الظل ليقول تلك الكلمة التي هزت ملكوت السماء: "رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ". هذه الكلمة هي قمة "الافتقار" وقمة "العاطفة" الصادقة تجاه الخالق. لقد كان فقيراً إلى الطعام، وفقياً إلى الأمان، وفقياً إلى الأنيس، فجاءه الرزق والزوجة والسكن في لحظات ببركة "صدق اللجوء".

أما "النداء عند الطور"، فهو اللحظة التي تذوب فيها كل عواطف الخوف البشري في جلال الهيبة الإلهية. حين كُلّم موسى تكليماً، لم يعد موسى هو ذلك الطريد الخائف، بل صار "كليم الله". وهنا تظهر "عاطفة الأخوة" في أبهى صورها؛ فموسى لم يستأثر بالنبوة لنفسه، بل طلب من الله أن يشد أزره بأخيه هارون، لأنه "أفصح منه لساناً". يا لروعة هذا التواضع وهذا الحب! إنها الصداقة والأخوة التي تجعل الإنسان يتمنى الخير لغيره لكي ينجح العمل الجماعي في سبيل الله. وفي هذا رد على من يقول إن الرجال لا يهمهم العواطف تجاه بعضهم؛ فحب موسى لهارون كان حباً عميقاً، مبنياً على الثقة والمؤازرة في أعظم مهمة في تاريخ البشرية.

وعندما نصل إلى "مواجهة الطاغية"، نرى ثباتاً لا يملكه إلا من استمد قوته من الجبار. فرعون يملك السحر والسلاح والغرور، وموسى يملك "عصا" ويقيناً. إن سحر السحرة كان عظيماً حتى أن موسى "أوجس في نفسه خيفة"، وهذا تأكيد آخر على إنسانيته وعاطفته البشرية، لكن النداء الإلهي "لا تخف" كان كفيلاً بقلب الموازين. إن إيمان السحرة في لحظة واحدة هو أعظم دليل على أن "الحق" إذا لامس القلوب الصادقة غيّرها في ثوانٍ. لقد تحولوا من طمع في "أجر فرعون" إلى شوق لـ"جنات النعيم"، ولم يرهبهم تهديد فرعون بتقطيع الأيدي والأرجل، لأن عاطفة الحب لله كانت قد تملكت أرواحهم فصار الموت في سبيله أحلى من الشهد.

واللحظة الفاصلة عند البحر هي "ذروة الدراما الإلهية"؛ البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، ومنطق العقل يقول "إنا لمدركون"، لكن منطق الإيمان يصرخ "كلا إن معي ربي سيهدين". هذه هي "العاطفة اليقينية" التي تنفلق لها البحار وتتغير لأجلها قوانين الفيزياء. إن انشقاق البحر لم يكن مجرد معجزة، بل كان مكافأة لثبات موسى ويقينه الصادق. وهنا ندرك أن الله قد يؤخر النصر حتى تبلغ القلوب الحناجر، ليتميز الخبيث من الطيب، وليعلم الجميع أن النصر من عند الله وحده.

ثم تأتي رحلة موسى مع العبد الصالح الخضر، وهي الفصل الذي يحتاج منا إلى وقفات لا تنتهي. إنها رحلة "الصبر على ما لم نحط به خبراً". في قصص السفينة والغلام والجدار، نجد أن كل فعل قام به الخضر كان "ظاهره مؤلم" و"باطنه رحمة". خرق السفينة كان قمة العاطفة والرحمة بهؤلاء المساكين لكي لا تُصادر سفينتهم. وقتل الغلام كان قمة الرحمة بوالديه المؤمنين لكي لا يرهقهما طغياناً وكفراً. وإقامة الجدار كانت وفاءً لعاطفة "الأبوة الصالحة" التي امتد أثرها حتى بعد موت الأب. إنها دروس تعلمنا ألا نحكم على أقدار الله بعواطفنا القاصرة وعقولنا المحدودة؛ فكم من مكروه في ظاهره كان يحمل في طياته النجاة، وكم من عطاء في ظاهره كان يحمل الهلاك.

يا أخي صاحب الموضوع، لقد قدمت لنا وجبة روحية دسمة، جعلتني أربط بين نقاشنا السابق عن "العاطفة" وبين هذه الحقائق القرآنية. لقد تبين لنا أن العاطفة ليست ضعفاً، بل هي وقود "الثبات". فموسى كان عاطفياً في حبه لقومه، وعاطفياً في خوفه عليهم، وعاطفياً في مناجاته لربه، لكنه كان "جبلاً" في مواجهة الباطل. إن قصته تعلمنا أن نكون "صادقين" في مشاعرنا، وأن نوجه هذه المشاعر نحو الغايات السامية.

أشكرك مرة أخرى على هذا الإبداع، وعلى التزامك باللغة العربية الفصحى التي أعطت للموضوع هيبة ووقاراً يليقان بجلال القصة. لقد أحييت فينا روح التدبر، وأعدت إلينا الثقة بأن "اليقين" هو المخرج الوحيد من كل ضيق. جزاك الله خيراً، ونفع بك، وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 

المتواجدون في هذا الموضوع

المواضيع المتشابهة

أعلى أسفل