وعودة مرة أخرى إلى مقهى الكتب لقد مضت فترة لست بعيدة جداً كان آخر موضوع طرحته في شهر أبريل ..
لهذا لم أتوقع أن أعود مرة أخرى هنا خصوصا بعد طرح موضوع طويل نسبياً.. عندما انتهيت من سلسلة آن و باقي بطلات لوسي مونتغمري اعتقدت أنني لن أعود للقراءة لفترة طويلة.. لكن ما حصل هو حديثي مع أختي عن الكتب و الروايات أعطتني سلسلة لقرأتها بعد أن انتهت منها قرأت منها مجلدين فقط و سوف أكمل الباقي فيما بعد.. و فكرت حينها بالعودة إلى قراءة كتب اخرى و روايات كنت توقفت عن القراءة في بدايتها تقريبا بسبب شعوري ببعض الملل .. أنا سعيدة لأنني عدت إليها
فبعض القصص لا تصرخ لتلفت انتباهنا بل تهمس بهدوء حتى تجد طريقها إلى القلب
و الان يا أصدقاء سوف أتحدث عن الرواية التي سأطرحها لكم هنا
بين جدران دكان صغير لبيع الفطائر تلتقي ثلاثة قلوب مثقلة بالوحدة و الاغتراب في هذا الموضوع نسلط الضوء على الرواية اليابانية المؤثرة ملذات طوكيو للكاتب دوريان سوكيغاوا سوف تأخذنا هذه الرواية في رحلة هادئة عبر شوارع طوكيو و أشجار الكرز لتعلّمنا كيف نجد العزاء في أبسط تفاصيل الحياة
اسم الرواية: ملذات طوكيو المؤلف: دوريان سوكيغاوا
تاريخ النشر:2018
الناشر: المركز الثقافي العربي
عدد الصفحات: 255
ترجمة :حسين عمر
تدور أحداث الرواية حول سينتارو وهو رجل يعيش حياة باهتة و يدير متجراً صغيرًا لبيع فطائر الدوراياكي التقليدية حلوى يابانية محشوة بعجين الفاصوليا الحلوة .. مجبراً لسداد ديونه اتغيرت حياته الرتيبة تماما عندما تطرق بابه سيدة عجوز غامضة تدعى توكي و تطلب منه العمل معه مقابل أجر زهيد و رغم تردد سينتارو في البداية إلا أن حشوة الفاصوليا التي تصنعها توكي بشغف و حب تجعله يوافق بعد أن تذوقها .. ليتحول المحل الصغير إلى ملاذ دافئ يجمع سينتارو و العجوز توكي و فتاة اسمها واكانا لتكتشف الشخصيات معا أن لكل منهم قصة و ندوباً خفية و أن الحياة تختبئ في تفاصيل الطقوس اليومية البسيطة التي نتجاهلها
شخصيات الرواية الرئيسية:
سينتارو : رجل في منتصف العمر يدير متجر الدوراياكي يعيش حياة كئيبة ومثقلة بالديون والندم بسبب ماض قاسي ودخوله للسجن لا يحب الحلويات لكنه يضطر للعمل في هذا المجال لسداد ديونه
توكي : سيدة عجوز في السبعينيات من عمرها عانت في طفولتها من مرض وعاشت معزولة عن المجتمع لسنوات طويلة تملك روحاً نقية وشغفاً بالطبيعة وتجيد صنع حشوة الفاصوليا الحمراء بطريقة ساحرة
واكانا : فتاة مراهقة في المدرسة الثانوية وزبونة دائمة للمتجر تعيش مع أمها وتواجه مشاكل أسرية ومدرسية تجعلها تشعر بالوحدة تجد في المتجر ومع سينتارو و توكي ملاذاً أمناً وصداقة حقيقية
تغيرت حياة سينتارو تماماً بفضل السيدة العجوز توكي حيث لم تكن مجرد عاملة معه بل كانت نقطة التحول التي أنقذته من يائسه
دوريان سوكيغاوا هو أديب و شاعر و مغني وإعلامي ياباني بارز واسمه الحقيقي تيتسويا أكيكاوا وُلد يوم 17 يونيو في طوكيو عام 1962 و نشأ في مدينة كوبيه باليابان
درس المرحلة الثانوية بمدرسة توكاي و لعب كرة القدم الأمريكية و التحق بجامعة واسيدا بطوكيو حيث درس الفلسفة الاسيوية عند تخرجة لم يتمكن من اتباع المسار التقليدي للوظائف لخريجي الجامعات وذلك بسبب إصابته بعمى الألوان فقد تم رفضه من اغلب الوظائف بالشركات و وسائل الإعلام و نتيجة لذلك فقد شق طريقه الخاصة في مهنة مستقلة في الكتابة للمجلات و الإذاعة التلفزيونية
حظي بشهرة واسعة بفضل رواياته الأنسانية العميقة حيث كانت تركز كتاباته على
العدالة الاجتماعية
التهميش والوصم
التجربة الإنسانية والتعاطف
الذاكرة الفردية والجماعية
عمل مراسلا و صحافياً في برلين و كمبوديا و أسس جمعية الشعراء الصارخين لمزج الكلمة بالموسيقى و أداء الجسد كذلك نشط كمتحدث و مقدم برامج تلفزيونية و إذاعية يابانية كما يشغل منصب عضو مجلس ادارة نادي PEN الياباني و رئيس لجنة كتب الأطفال فيه
" كانت السماء صافية تماما و الشمس ترسل أشعتها المبهرة كان صفاء المشهد يشير في نظر سينتارو إلى قلقه الخاص . كانت الايام الضائعة تتراكم عند قدميه و تتشابك فيهما "
" صحيح أن الزمن قد تغير ، ولكن الكلمات لا تزال هي نفسها في كل الأزمنة "
" في تلك الفترة لم تكن هناك متعة أخرى سوى تخيل ما يختبئ خلف الكلمات. كنت أحب أن أُعْمِل خيالي "
" أحلام الماضي تبقى ، أليس كذلك؟ لم أكن أتصور بأنني سأحظى بالفرصة في الحياة لأتحدث و أتناقش مع فتيات صغيرات……. و بالتالي أنا سعيدة "
" لا يمكنك أن تسمح لنفسك بأن تكون عاطفياً، يجب عليك أن تظهر الحزم و الصرامة "
" وكأن الأفكار التي كانت تشغل باله و تقلق راحته ترافقه إلى سريره و تنهكه "
" في العتمة إما أن يجنّ المرء أو يموت "
" لطالما أعددت الحلوى لانه من دون ذلك ، كانت الحياة صعبة و قاسية للغاية "
" حينما تغير القانون اعتقدنا جميعاً بأنه بات من الممكن لنا أن نعود إلى بيوتنا ، و كانت هذه سعادة كبيرة لنا في البداية، ولكنها كانت سعادة عابرة "
" بدأت رياح الشمال تهبّ . كانت شجرة الكرز أمام المتجر تهتز فتتراقص بعض الأوراق الباقية على أغصانها "
" إن استنشاق شذا الرياح و الإصغاء إلى صخب الأشجار من بين الأمور التي يمكن بلوغها .. ها قد مرّ أكثر من ستين عاما و أنا أمارس ذلك هنا ، … أصغي إلى كلمات من ليس لديهم كلام "
" أنا على قناعة بأن كل شيء موجود هنا على الأرض وهبت له مَلَكة الكلام .. يمكننا أن نصغ السمع إلى كل شيء.. و إلى ماهو حيّ بل وحتى إلى أشعة الشمس و إلى الريح "
" أشعر أحياناً بأن قلبي سوف يتحطم "
" أياً كانت أحلامنا سوف نعثر بالضرورة ذات يوم على ما كنا نبحث عنه بفضل الصوت الذي يقودنا أنا على قناعة تامة بذلك . الحياة ليست عبارة عن زيّ موحد "
" على مرّ السنوات التي قضيتها في هذا المكان انتهى بي الأمر إلى أن أفهم شيئا ما . وهو أننا أيا كان ما نفقده و أيا كان ما نتعرض له يبقى أننا بشر . حتى لو كان المرء محروما.. يجب عليه أن يواصل حياته "
" العصافير التي كانت تأتي .. و الحشرات و الاشجار و النباتات و الأزهار و الرياح و المطر و النور و القمر كانت لكل منها كلماتها الخاصة.. إن الإصغاء إليها يكفي لكي نملا الفراغ الذي بداخلنا "
" شارف شهر فبراير على نهايته و بدأت أولى نسمات الرياح الدافئة تهب هزت الزوابع المفاجئة للرياح الجنوبية شجرة الكرز أمام المتجر و التي بدأت تزين نفسها ببراعم صغيرة غزت أغصانها "
" دخل سينتارو إلى داخل المكان و نظر حوله منبهراً بكل شجرة من أشجار الكرز كانت الاحاسيس و الانفعالات الهاجعة بصمت في الأشجار تنبعث فيه مرة واحدة..مثل انفجار الفرح و البهجة في داخله .. "
" رفع الكوب إلى شفتيه كانت رائحة الأزهار قوية كما لو أن شجرة كرز قد أزهرت في فمه "
" أنا التي عانيتُ من عدم القدرة على الخروج من هنا لم يكن لدي أسباب مقنعة لكي أحبس في قفص ضيق كائنا يمتلك جناحين "
" أحس سينتارو بأن الريح و الزمن و السماء أي كل ماهو غير مرئي اجتمع فجأة في كتلة على هيئة قبضة ضربته في منتصف صدره "
" أنا متأكدة من أن الجميع يتساءلون ذات يوم إذا ما كان لحياتهم معنى "
" لن أنسى في حياتي اللحظة التي استطعت فيها أن أخرج بعد مضي خمسين سنة على بقائي .. لان كل شيء كان يشعّ في ضياء بهيج "
" إن فرحة القدرة على التجول في الخارج بقدر ما كانت كبيرة بقدر ما كان الوقت قد ضاع فالأيام التي لن تعود أبداً كانت تتحول إلى ألمٍ يغمرني "
" كنت أعدّ الكعك و أُطعمه للذين كانوا يراكمون الحزن و الألم. وبهذه الطريقة استطعت أن أعيش أنا أيضاً "
" قالت لي بأن الطريقة الوحيدة لكي نحيا و نعيش هنا هي بالتأكيد أن نصبح نوعاً من الشعراء و الشاعرات.. "
" كانت تقول بأننا أحرار في تفكيرنا يكفي أنها علمتني أن أشعر بوجودي أن أشعر حتى في هذا الدرب الضيق كما لو أنني أسير في أي طريق آخر في العالم "
"كنت أتمشى معجبة بأشجار الكرز في الشارع التجاري حينما قادتني رائحة شهيّة إلى اكتشاف متجر دوراهارو. ورأيتك آنذاك.
رأيت وجهك. بدت عيناك حزينتين جداً . كانت نظرتك تمنحك الرغبة في أن تسأل نفسك عمّا كان يؤلمك كل هذا الألم. كانت تلك حال عيني في الماضي."
فطائر الدوراياكي تفوح رائحتها من بين صفحات الرواية يا أصدقاء حقا أريد تجربتها يوماً ما على أصولها أقصد بحشوة الفاصوليا الحمراء و ليس بحشوات أخرى..
حسناً لنقول رأي عن الرواية
الرواية كانت قصة إنسانية دافئة تسلط الضوء على المعاني السامية و التبادل العاطفي من خلال اعداد الطعام و تعلمنا كيف نستمع لأصوات الطبيعة حولنا وكيف نجد السلام الداخلي كذلك تسلط الضوء على قضية اجتماعية مهمة عن أحد الامراض عافانا الله وإياكم منها و المعاناة التي يتعرض لها المرضى مع هذا المرض..الترجمة كانت جميلة و لغتها جيدة
الاحداث خفيفه ليست صاخبة لكنها تترك أثراً في القلب .. سوف نرى كيف تحول عمل سينتارو إلى شغف بعد أن كان مجبراً بلا روح
وكيف استطاع التصالح مع ماضيه و تتغير حياته.. سوف ندرك أن قيمة الانسان لا تقاس بماضيه أو بنظرة المجتمع له بل بالسلام الداخلي و الأثر الطيب الذي يتركه
في قلوب الآخرين
فلم الفاصوليا الحلوة Sweet Bean هو فلم دراما ياباني صدر عام 2015 من إخراج نعومي كاواسي و الذي يجمع النجمات الجدة و حفيدتها كيرين كيكي بدور السيدة يوكي و كيارا أوتشيدا بدور واكانا تم اختبار الفلم ليفتتح جائزة نظرة ما في مهرجان كان السينمائي وهو مقتبس من الرواية مع بعض التغيرات البسيطة
لقد نجح الفيلم في نقل الاجواء الهادئة و الدافئة للرواية و اهتم بتصوير عملية الطبخ كطقس روحي كما وصفته الرواية صوت البخار و غسيل حبات الفاصوليا و تصاعد الدخان و غيره ..
قامت الممثلة كيرين بتجسيد دور السيدة توكي ببراعة وطابقت حكمتها و براءتها كما بالرواية
وباقي الشخصيات كذلك و الممثلين قاموا بعمل رائع و تمثيل جيد يجسد شخصيات الرواية
كان هناك بعض النقاط المختلفة بين الفيلم و الرواية حيث كانت الرواية تتوسع في شرح القوانين اليابانية القديمة و القاسية للمرض الذي كانت تتحدث عنه الرواية .. وفي الفلم تم تخفيف هذا الجانب و التركيز على الجانب الدرامي و المشاعر الانسانية في الرواية كذلك كانت هناك تفاصيل أكثر بخصوص ماضي سينتارو لكن بالفلم لم يكن هناك الكثير من التفاصيل..
لهذا الرواية أفضل لمن يحب معرفة تفاصيل أكثر و فهم الأبعاد الاجتماعية للمرض باليابان و الدخول بعمق في الشخصيات .. و الفلم هو لوحة بصرية لمن يفضل رؤية الطبيعة اليابانية و الاستمتاع بالأصوات التصويرية الهادئة..
و الحقيقه يا أصدقاء كنت قد شاهدت الفيلم أولا رغم أني لم أجده مترجم و كل المواقع العربية التي كان الفلم مترجم فيها كانت مغلقة لهذا تابعته على اليوتيوب باليابانية لان الترجمة لم تكن مفعله لكني استمتعت بالمشاهدة مدة الفلم كانت 113 دقيقة
الدوراياكي (Dorayaki) هي حلوى يابانية تقليدية شهيرة تتكون من شريحتين من البانكيك الهش محشوة في المنتصف بـ بمعجون الفاصوليا الحمراء الحلوة ( أنكو)
سبب تسميتها كلمة دورا تعني الجرس أو الصنج المعدني و هو آلة موسيقية إيقاعية معدنية مستديرة ومسطحة ..
الشكل الحديث للدوراياكي المكون من فطيرتين انتشر في أوائل القرن العشرين
والذي ابتكرها هو أوساغيا
تؤكل هذه الحلوى كوجبة خفيفة مع الشاي الأخضر الياباني ..
من الاسباب التي جعلت حلوى الدوراياكي مشهورة عالمياً أنها كانت الحلوى المفضلة لشخصية الانمي الشهيرة دورايمون لذلك يرتبط اسمها لدي الكثيرين بذكريات الطفولة و الانمي اسمه بالدبلجة العربية عبقور ..
تباع اليوم بحشوات و نكهات مختلفة كثيرة مثل الكاسترد و الشكولاته و الكريمة المخفوقة و الماتشا
الطريقة التقليدية لتحضير حلوى الدوراياكي اليابانية
في الختام أرجو أن أكون وفقت لطرح الموضوع و اختيار الرواية ..
فقد بدأت الرواية بصفحات هادئة و بسيطة لتنتهى بدرس عميق و مؤثر درس في الصبر و التعاطف .. لكل من يبحث عن قصة تلامس القلب و تغير نظرته للأشياء و الحياة و للناس الذين نمر بهم كل يوم إقرأ ملذات طوكيو فهي رواية تبقى في الذاكرة طويلا